مقال: ملعب الأقوياء

الثلاثاء 08 أكتوبر 2019 - 06:08 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم/ سعيد بشارات

 

يحضِّر نتنياهو هذه الأيام نفسه للمسامحة ونقل ذنوبه ومعاصيه وموبقاته إلى دجاجة أو الى بحر هرتسيليا قبالة منزله مع قرب "عيد الغفران" اليهودي غداً، لكن النفس أمارة بالسوء، وخاصة نفس نتنياهو التي لا تستطيع أن ترتاح هذه الأيام، لأن هناك أمور مصيرية تنتظرها.

 

عندما يحتاج نتنياهو إلى الحماية تقول صحيفة "هآرتس"، فإنه يسارع الى المقربين جداً منه، ريجيف، هانيجبى، أردان بيتان وأيضاً كاتس، هذه المرة وقع الاختيار على "كاتس" ليقوم صباحاً بعد جلسة كبينيت مسائية عاجلة بتغريدة فاجأت الجيش، ويسرب جزءً مما دار في جلسة الكبينيت المسائية العاجلة والملحة، ملقياً هذه المرة بالجيش ورئيس أركانه تحت عجلات الحافلة، كما وصفتها صحيفة "هآرتس" في مقال حول الموضوع.

 

في تغريدة صدرت عنه أمس، حاول وزير الخارجية طمس مسؤولية انتهاك سياسة الغموض التي تنتهجها إسرائيل. والقاء المسؤولية على كوخافي الذي يحظى هذه الأيام باحتضان شديد من اليمين، وأعلن أن كشف السر جاء بقرار من "كوخافي" وليس من نتنياهو.

 

"كاتس" كشف عن قليل مما دار في جلسة الكبينيت، لكن ما كشف عنه، كشف عن أمور كثيرة أخرى لم يكشفها صراحة، كشف عن أن نتنياهو يضخم بالموضوع الإيراني وتصرفاتها في الخليج والسعودية من أجل صرف نظر غرمائه عن الازمة السياسية وموضوع تشكيل الحكومة وجلسات الاستماع التي تأخذ جل يومه من التغطية.

 

"نتنياهو" يريد القول إنني أحظى بمساندة من الجيش لكل خطوة أخطوها ضد إيران، وما كشف على لسان "كوخافي" يؤكد مدى الخطر الإيراني، لذلك أنا، وحدي أنا القادر على إدارة المنصب بجدارة وعليكم بتقديم الولاء والإسراع بتشكيل الحكومة بقيادتي.

 

لكن ليبرمان الذي يتميز ببلادة تعلمها من معلمه السياسي نتنياهو جاء رده السريع والهجومي في يوم الصفح والغفران ووصف أقرب مقربي نتنياهو (ريجف) بالبهيمة وكاتس بالطربش الكاذب الوضيع وبأحد لبنات البلوك اليميني (درعي) بالخائن، وهي إشارات بأن كل ما يقوم به نتنياهو سيذهب أدراج الرياح، وأن العيون متجهة الآن نحو الصندوق، ولن تساعد كل دجاجات إسرائيل في تنظيف ما تحتويه نفوس القيادات السياسية الاسرائيلية من أحقاد وسعي لخدمة الأنا عندهم.

 

ليس الملعب الداخلي هو الوحيد الذي يشهد صراعاً داخلياً مريراً، بل هناك تصفيات نهائية على الملعب الخارجي، فما أن استيقظ نتنياهو صباح يوم أمس حتى تفاجأ بقرار رسمي صادر عن البيت الأبيض؛ هذا القرار يتعلق بالسماح للقوات التركية بالدخول الى شمال شرق سوريا للقيام بعملية أمنية هناك، وكان حجم وقع الخبر على إسرائيل أكبر من تأثيره على حلفاء أمريكا من الأكراد، حيث سارع الكتاب الإسرائيليين بالكتابة حول موضوع التخلي عن الحلفاء، كان حديثهم عن الأكراد، لكن نيتهم الحديث عن أنفسهم، فمن وجهة نظرهم انسحاب القوات الامريكية من شمال سوريا ليس تخلٍ عن الأكراد بقدر ما هو تخلٍ عنهم، وحديثهم كان حديثاً عن الأكراد لكن كان يحمل تحذيرات وتلميحات الى البيت الابيض أن ما يحدث هو خيانة من قبل الحليف الأمريكي الأكبر على مر التاريخ لليهود ولمن ساندهم من دول عربية في المنطقة، واعتبر بعض الكتاب الإسرائيليين أن قرار الرئيس دونالد ترامب بإجلاء عدة مئات من القوات الأمريكية من أمام القوات العسكرية التركية التي تنوي غزو شمال شرق سوريا خبراً سيئًا لجميع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. حيث أعطي ترامب الضوء الأخضر لتحرك تركي خطير مع التخلي عن أكثر الشركاء الأمريكيين موثوقية في سوريا، المقاتلون الأكراد.

 

من وجهة نظر إسرائيل، تمهد خطوة الرئيس ترامب الطريق أمام تحقيق مصالح لاعبين آخرين في الملعب السوري - أولاً وقبل أي أحد، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبشكل غير مباشر نظام الأسد وداعميه الرئيسيين، روسيا وإيران. بنظرة من إسرائيل هذه علامة تحذير أخرى: الى أي حد لا يمكن الاعتماد على الرئيس، الذي تم تصويره حتى وقت قريب في إسرائيل كأكبر صديق لإسرائيل في واشنطن منذ الأبد.

 

صحيفة "هآرتس" وعلى لسان مراسلها العسكري "عاموس هرئيل" قالت: إن إسرائيل فوجئت بقرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا والسماح لتركيا بعملية عسكرية في المنطقة.

 

وأدهش توقيت الإعلان يوم الاثنين كبار المسؤولين في المنظومة الأمنية والسياسية، وقالت بعض المصادر إنه لم يتم "مناقشته بشكل كبير" - وربما لم يتم مناقشته أصلاً- في اجتماع الكبينيت الليلة ما قبل الماضية والذي ركز على التوترات مع إيران والساحة الفلسطينية.

 

حتى الآن، لم يعلق أي مسؤول في إسرائيل علانية على القرار، ربما من شدة المفاجأة والصدمة، الذي وبشكل نادر أدانه المسؤولون الجمهوريون. هذه هي المرة الثانية التي يفاجئ فيها قرار ترامب بشأن سوريا إسرائيل، بعد أن قررت سحب القوات الأمريكية في ديسمبر. في ذلك الوقت، تلقت إسرائيل تحذيرًا قبل يوم واحد فقط من أجل الاستعداد، وهذه المرة لم يتضح ما إذا كانت قد حصلت على فترة مماثلة قبل الإعلان.

 

ماذا يحدث؟ لا أحد يعلم بشكل دقيق؟ الى أين تسير الامور؟ أيضاً لا شيء دقيق حتى الآن، حتى تهديد ترامب بسحق الاقتصاد التركي وعلى الرغم من أنه أثر على الأسهم في تركيا مباشرة بعد صدوره، الا أنه يحمل لوناً تهديدياً، استخدمه ترامب في السابق، لكنه ذو تأثير موضعي محدود زمانياً سرعان ما سيغيره تدافع اللاعبين في الملعب الخارجي على النتيجة في الملعب الداخلي.

x