ما بين الهدنة والخطاب التحريضي

هل سينجح نتنياهو في تصدير الأزمة والخروج من المأزق السياسي؟

الإثنين 18 نوفمبر 2019 - 09:46 صباحاً بتوقيت القدس

نائل عبد الهادي - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

مقال تحليلي بقلم: نائل عبد الهادي

يزداد تخبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كلما زاد الحديث عن تشكيل حكومة أقلية بزعامة بيني غانتس، بدعم خارجي من القائمة العربية المشتركة. ويسعى نتنياهو لتهيئة الرأي العام في إسرائيل، للإقتناع بأن إسرائيل تعيش حالة طوارئ، مع وجود مخاطر أمنية محدقة، تتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية، يكون هو أو من يتناوب على رئاستها.

 

وتتزايد التصريحات التحريضية، والتصرفات الهستيرية لنتنياهو، مع اقتراب البث النهائي في ملفات الفساد الخاصة به، خصوصا وأن النيابة العامة تدرس تقديم لائحة اتهام له، بتهمة الخداع وخيانة الأمانة، وتلقى الرشوة، مما قد يعرضه للحبس الفعلي. فكيف يحاول نتنياهو الخروج من هذا المأزق السياسي، لإبعاد شبح الحبس الفعلي عنه، وهل سينجح في تصدير أزمته الشخصية، لتصبح أزمة قومية عامة؟

 

تسخين الجبهات والبحث عن الحلقة الأضعف:

للخروج من أزماته الشخصية، والمأزق السياسي، يعمل نتنياهو منذ شهور الصيف المنصرم، على تسخين الجبهات، للوصول بإسرائيل لحالة طوارئ، تؤهله على المستوى الشخصي، لإدارة الحلبة الداخلية، كسيد الأمن الأول في إسرائيل.

 

وحرص نتنياهو على تسخين الجبهة الشمالية، من خلال التحريض على إيران بالمحافل الدولية، وطالب الإدارة الأمريكية بعدم الانسحاب العسكري من سوريا، بزعم وجود مخاطر تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، من التواجد العسكري الإيراني بسوريا. ولم يكتفِ نتنياهو بهذا، بل أعطى التعليمات خلال وجوده بوزارة الجيش، لمهاجمة أهداف عسكرية لجماعات تابعة لإيران، بالعراق وسوريا ولبنان، لخلق مبررات لحالة الطوارئ التي يريدها.

 

على المستوى العسكري، تعد الجبهة الشمالية جبهة معقدة ومتشعبة، والجيش الإسرائيلي لا يفضل المراهنة على تسخينها، فبعد مهاجمة أهداف لحزب الله بالضاحية ببيروت، زادت المخاوف الإسرائيلية، من مشاركة إيران في أي حرب ضد حزب الله، أو على الأقل مشاركتها في إطلاق صواريخ دقيقة من سوريا أو العراق.

 

فبدأ نتنياهو بالبحث عن الحلقة الأضعف، الحلقة التي تمنحه حالة التوتر، والخروج من المأزق السياسي، الذي يعيشه منذ انتهاء التحقيقات معه في ملفات الفساد، ومنذ انتهاء الانتخابات الثانية في سبتمبر الماضي.

وزاد حديث نتنياهو عن حادثة أمنية خطيرة، وتهديد أمني كبير يهدد الأمن القومي الإسرائيلي، وبحسب ما كشفت وسائل الإعلام العبري، فقد أطلع نتنياهو زعيم المعارضة غانتس، وعددا من الشخصيات السياسية في إسرائيل وأمريكا على هذه التهديدات.

 

كان يخطط نتنياهو لتسخين الجبهة الجنوبية، وكان يبحث عن صيد ثمين بقطاع غزة، فوضع الخطة، وأعطى الأمر باغتيال بهاء أبو العطا، للإعلان عن حالة طوارئ، وفرض تشكيل حكومة وحدة على حزب كحول لفان، وفقا لرؤية حزب الليكود.

 

نجح نتنياهو في الجزء الأول من خطته لتسخين الجبهة الجنوبية، بعد أن فشل في تسخين الشمالية، وأوصل إسرائيل للدخول في تصعيد جديد مع قطاع غزة، بدأ خلاله بالتهديد بحملة برية، والحديث عن حالة طوارئ تتطلب حكومة وحدة.

 

وكشف نتنياهو بذلك عن خطته الحقيقية، ونواياه السياسية، لجر إسرائيل لحرب جديدة، من أجل أهدافه الشخصية، وعلى حد قول زعيم حزب "يسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان خلال التصعيد، فقد "عمل نتنياهو من أجل مصالحه الشخصية، على حساب المصالح الأمنية الإسرائيلية".

 

خطاب طوارئ رفضا لحكومة ضيقة:

استمر نتنياهو بنفس الطريقة، وعلى نفس الجبهة، لتحقيق أهدافه، وتصدير أزماته الشخصية، فبعد أن اقتنع أن الأحزاب السياسية ترفض جولة ثالثة للانتخابات، وبعد أن تطورت المفاوضات بين حزب كحول لفان، ويسرائيل بيتنا، لتشكيل حكومة ضيقة بعدم الأحزاب العربية، زادت تصرفات نتنياهو، ودخل في حالة هستيرية.

 

هذا ما قاله لبيد، وغانتس، ويعلون، وأعضاء الكنيست من القائمة العربية، ردا على خطابه التحريضي، الذي ألقاه في اجتماع لحزب الليكود بالأمس في تل أبيب. فقد عمد نتنياهو، إلى جانب التحريض ضد العرب بالداخل، للحديث عن المخاطر الأمنية التي تهدد إسرائيل، وزيادة استعمال كلمة طوارئ، من أجل منع تشكيل حكومة ضيقة.

 

وذهب نتنياهو الى أبعد من هذا، لدرجة أنه خاطب غانتس ويعلون وأشكنازي، قائلا لهم: "إن الأحزاب العربية تريد محاكمتكم كمجرمي حرب". وبهذا بدأ نتنياهو بخلط الأوراق وحرق الأخضر واليابس، من أجل البقاء بالحكم لمدة سنة إضافية، تجنبا للحبس.

 

نتنياهو وقف إطلاق النار على الجبهة الجنوبية:

يواصل نتنياهو لعبته الخطيرة من أجل أهدافه الشخصية، فأعلن خلال افتتاحية الجلسة الأسبوعية، أن إسرائيل لم تتعهد بأي شيء، لوقف إطلاق النار مع الجهاد الإسلامي خلال التصعيد الأخير، مضيفا أن سياسات إسرائيل لم تتغير، وأن من سيحاول المساس بنا سنهاجمه.

 

وهذا دليل آخر على أن نتنياهو ما زال يبحث عن صيد ثمين آخر بقطاع غزة، ليكون بالنسبة له ذريعة لخلق حالة توتر أمنية، تجعله بمنأى عن المحاكمة والحبس. وتصريحات نتنياهو هذه تحمل بطياتها، احتمالية كبيرة لأن يقوم الجيش بخطوات عسكرية جديدة بقطاع غزة، للعودة للتصعيد، وقد يبادر نتنياهو بإعطاء الأوامر لإغتيال شخصية قيادية عسكرية بقطاع غزة، من أجل الحفاظ على حالة التوتر الأمني، والتوصل بسرعة إلى حكومة وحدة مع غانتس، يكون هو أول من يتناوب عليها، ويتم تأجيل تقديم لائحة الاتهام ضده.

 

نتنياهو يناور على المستوى العسكري والأمني، بالجبهة الجنوبية، التي يعتبرها الأضعف، من أجل تحقيق أهدافه الشخصية، فهو يضمن تدخل عاجل للمصريين لوقف إطلاق النار، ويدرك أن الفصائل بغزة سترد بإطلاق الصواريخ، مما سيحقق له مراده والإعلان عن حالة طوارئ، مع السعي لاستثمار ذلك في الخروج من المأزق السياسي، والدخول في حكومة وحدة، يكون هو أول رئيسا لها.

x