كسر الخنجر

الإثنين 02 ديسمبر 2019 - 08:02 مساءً بتوقيت القدس

سليم النتشة - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم المختص في الشأن الإسرائيلي: عزام أبو العدس  

(لا تحارب عدوك لفترة طويلة لأنه سيتعلم في النهاية كل تكتيكاتك وخططك وسيكون مستعدا دوما لمواجهتها ومع الوقت لن تستطيع أن تفاجئه بشيء )

من كتاب (عن الحرب ) يوهان كلاوزفتز

قوة الطغاة ليست سوى فكرة ساذجة تخيم على عقول الضعفاء وتستوطن نفوسهم وتملي عليهم كل أفعال الهوان والاستسلام والاستجداء، فالمفاهيم المجردة هي صورة ذهنية نرى من خلالها واقعا معينا، والاحتلال مثل كل الطغاة العابرين في التاريخ يحاولون دوما صنع هالة دخانية من قوة تحيط بهم تعطي ضعاف البصر انطباعا بأنهم يواجهون كيانا لا يُقهر وقوة لا قِبَلَ لهم بها فتخرجهم من أراضيهم وأوطانهم أذلة وهم صاغرون، ومقاومة هذه القوة هي فكرة تنغرس عميقا في عقول وقلوب وضمائر فئة قليلة يرى بصرها وبصرتها الثاقبة من خلال سُحُبِ دخان قوة الوهم التي صنعها الاحتلال حول كيانه، فيراه هؤلاء على حقيقته ويعدون للأمور أقرانها.

 

في الوثائقي الأخير للجزيرة لا أريد الحديث عن التكتيك والتسلل العملياتي للعملية التي أعتقد جازما أن أكبر عقول الاحتلال الأمنية عاكفين الآن على دراسة كل جزء من الثانية من الدقائق الأربعين وأن هذه الدقائق تمددت واستطالت في عيونهم لتصبح جبالا من الفشل عليهم التنقيب عميقا في أغوارها وسبرها ليعرفوا أين كان الخطأ، بل أريد الحديث عن زاوية أخرى هي النظرة للجندي من كلى الطرفين.

 

الصورة الأولى لجندي النخبة الصهيوني هذا الجندي الذي آمن قادته وآمن هو بنفسه أنه لا يُقهر ولا يُشق له غبار، كيف لا وهو الذي صال وجال في كل العواصم العربية فكان مقاتلا في بعضها وضيف شرف في أخرى، يُدرب ويلقي بالمواعظ الأمنية والتكتيكية على من يرونه من خلال سُحُب الوهم التي تحيط به، هذا الجندي الذي نفذ الاغتيالات والعمليات على طول الوطن العربي وعرضه من تونس حتى بغداد، فوقر في نفسه أنه أشبه بأنصاف آلهة الإغريق التي لا يأتيها الموت وتقهر أعدائها مهما وأينما كانوا ثم يعود ظافرا ليقرع كؤوس النصر وأنخابه، لكن ما يعاني منه الجندي الصهيوني بكل مستوياته من المجند البسيط في حواجز الضفة حتى ضباط النخبة هو غياب التحدي الحقيقي هذا التحدي الذي أضعف الروح القتالية لكل جنوده، فجندي الاحتلال الذي أدمن مواجهة العزل والضعفاء والمدنيين في الضفة الغربية أو الأنظمة ذات منظومات الأمن المهترئة خارجها لا بد أن يسري الوهن والتراخي الى روحه وأن يعتقد في قرارة نفسه أن جميع أعدائه على هذه الشاكلة، من الناس البسطاء والعُزل الذين يفجر أبوابهم في الليل وهم آمنون وينتزع الأطفال من أسرتهم أو منظومات أمنية عربية متهالكة خاوية على عروشها من كل مفهوم أمني سوى حماية معبد الزعيم الوثن.

 

فنعذره من هذه الناحية لأنه لم يرى أبدا ذلك المقاتل الذي يقف ثابتا تحت قصف عشرات القذائف ليلاحقه ملاحقة ذئب الشتاء الجائع لفريسة وحيدة، لقد فتت هذه الظروف الميدانية جيش الاحتلال من الداخل وأوهنت نفوس كل مقاتليه، هذه الحقيقة أدركها قادة المنظومة الأمنية لدى  الاحتلال وحذروا منها طويلا، و كنا نرى تبعاتها بالإصرار المحموم لدى المستوى السياسي للاحتلال بتجنب المواجهات البرية المباشرة سواء في غزة أو لبنان واعتماد سياسة القصف الشامل والأرض المحروقة، لكن الحروب منذ فجر التاريخ وحتى اليوم نواتها وأساسها الجندي، هذا الجندي الذي لم تعد قيادته تثق بإرساله الى المواجهات الحقيقية وتكتفي بالاستعاضة عن ذلك بالوسائل التكنولوجية والتدمير عن بُعد، لتتفاقم مشكلة الجيش الذي لا يُقهر وأن يُصاب بما يسميه الخبراء العسكريون "التراخي التكنولوجي" وهذا يعني الميل التلقائي لتعويض الفرد بالتكنولوجيا مما يوهن القدرة الميدانية للمقاتلين على الأرض لتبقى عيونهم معلقةً صوب السماء تبحث عن العون والمدد، لكن في حال أن تُرك وحيدا لأي سبب فسيدرك في قرارة  نفسه أنها النهاية.

 

أما المقاتل الآخر فهو الذي تعمد بالنار منذ أن بدأ مشواره فلم يعرف من التدريب سوى التدريب الأساسي في معسكرات متواضعة تثير ضحك أتعس جيش نظامي في العالم، ليكون تدريبه الحقيقي بعد ذلك مواجهة أطنان الفولاذ والقاذفات والأرتال ليثبت للعالم بشكل قاطع أن الجندي رغبة وإرادة ثم تسليح وعتاد.

 

لقد كسر حد السيف خنجر سيرة متكال هذا الخنجر الذي أدمانا طويلا كسره الى شظايا انغرست عميقا في الوعي الصهيوني الأمني والعسكري وستدميه ذكراها كلما أراد ان يتحرك في حرم المقاومة، لتختلف الآن كل قواعد اللعبة الى الأبد، وكل ما اريد قوله أو كتابته عن جندي المقاومة اختزلته تلك الصورة للمقاتل الذئب الذي يلاحق فرائسه الجريحة وأهوال الطائرات تنفجر من حوله وكأنه لا يراها وله أقول " لولاك لما بقيت سماء تُظلُ العالمين.

 

 

x