مقال: "نفتالي بينت" وغزوة أصداف البحر

الإثنين 30 ديسمبر 2019 - 01:31 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم/ عزام أبو العدس

 

يحكى أن الإمبراطور الروماني "نيروس جرمانيكوس" كان رعديداً جباناً لكنه قرر في لحظة طيش غزو الجزيرة الإنجليزية وعندما وصل إلى الشاطئ هاب ركوب البحر فضلاً عن أن جواسيسه أخبروه أن أهل البر الإنجليزي قوم أشداء في الحرب فغزى الرعب قلبه وأعلن في جيشه أن الآلهة أوحت له أنه أصبح ملك البر والبحر ووهبته أصداف الشاطئ غنيمة، فأمر جنده بجمع الأصداف وعاد أدراجه إلى روما عارضاً على مجلس الشيوخ غنائمه وتفاصيل غزوته المظفرة.

 

وعلمنا التاريخ أيضاً أن الطغيان –أياً كان شكله– إما أنه يبحث عن انتصارات وهمية أو أنه ينهال بالضرب والفتك بالضعفاء محاولاً ترميم هالة الخوف التي سكنت عقول الخائفين، وفي سبيل الحصول على انتصارات وهمية آنية يقدمها لأتباعه وقومه ليكون مستعداً بالقيام بأي عمل مهما كان غير منطقي أو غير عقلاني، وفي سبيل ذلك يكون الطغيان مستعداً للإطاحة بكل ما يملك وتكون قراراته أبعد ما تكون عن المنطق والعقلانية فترك حليمهم حيرانا.

 

هذا ما نراه واضحا جليا لا يقبل الجدل في الممارسة السياسية الإسرائيلية التي يأخذ بزمامها طبقة من السياسيين الانتهازيين ضيقي الأفق المتطرفين الذين أعمى التطرف كل منطق عقلاني في ممارساتهم، ومن أبرز هؤلاء وزير الجيش "نفتالي بينت" الذي لم يصل نسبة الحسم في الانتخابات ولم تكن له تجربة عسكرية سابقة معتبرة في الأواسط الأمنية والعسكرية، وكل مهارته السياسية تتلخص في إزعاجه لنتنياهو والخطاب الشعبوي المتطرف الموجه ضد العرب بكل أطيافهم موالين كانوا أم أعداء.

 

"نفتالي بينت" أصدر قراراً جديداً سيؤزم الساحة السياسية الفلسطينية والإسرائيلية أكثر وأكثر وهو مصادرة ١٥٠ مليون شيكل من أموال السلطة بحجة أنها من مخصصات الشهداء وخرج بتسجيل فيديو؛ ذكرني بخطبة "نيرون" العصماء وهو يتحدث عن غزوته المظفرة التي عاد منها بخفي حنين فوق أطنان من الصدف، تحدث "نفتالي بينت" في تسجيله عن أموال الإرهاب ودعم الإرهابيين الذي تقوم به السلطة، كان يتحدث بمنتهى العنجهيه والثقة وفي تلك الدقائق تناسا اختيارياً آلاف الصواريخ التي تقبع في مرابضها تتلمظ أهدافها في دولته.

 

وتناسى اختيارياً أيضاً هزيمة "حد سيف" بددت سراب مؤسسته الأمنية العملاقة، وفضل التنكيل بالضعفاء واستعراض سلطته الإدارية على قوت قوتهم، واستعراض عضلاته على السلطة التي تمثل التفاهمات الأمنية والسياسية معها العمود الفقري للأمن الإسرائيلي ومفتاح الاستقرار لما يزيد عن نصف مليون مستوطن في طول الضفة الغربية وعرضها.

 

محاولته اليائسة هذه جاءت لدعم سجله الانتخابي قبل الانتخابات التي تلوح في الأفق أراده على حساب الضعفاء والمهزومين.

 

ومن هنا أيضاً جاءت قراراته بهدم البيوت في المناطق المصنفة (C) حسب اتفاقيات أوسلو، وحجز أموال السلطة، ويتجاهل كعادة كل قادة غزوات "صدف البحر" التي تحمل في طياتها توصيات العقلانيين من قادة المنظومة الأمنية الذين يدركون أبعاد الكارثة القادمة إذا ما انهارت السلطة التي تعاني أصلاً من أوضاع داخلية وسياسية بالغة التعقيد والدقة في هذه المرحلة ويدركون بل ويرتعبون من اشتعال ساحة الضفة الغربية والتي تتمثل في حماية نصف مليون مستوطن من مليوني فلسطيني في ظل تشابك رهيب لكل تفاصيل حياة الطرفين.

 

كان الأجدر بالقيادة السياسية في إسرائيل أن تقوم بالتصدي لخطر قطاع غزة أو الوجود الإيراني في سوريا –والذي سيتحتم على إسرائيل التدخل برياً لحد منه في الفترة القادمة- لكن "نفتالي بينت" والمستوى السياسي الإسرائيلي يريد انتصارات وهمية رخيصة التكاليف لأنه يعلم جيداً أن دخول غزة غير مأمون العواقب وكذلك لبنان وسوريا لذلك يلجئ لاستنزاف الحلقة الأضعف ويكيل لها الضربات متناسياً أن هذه الحلقة تربط أمنه الذي يتأرجح فوق هوة سحيقة واذا لم يأخذ العقلاء في المؤسسة الأمنية على يديه سيهوي ويهوي بهم جميعاً... والله غالب على أمره.

x