مقال مترجم..

قطرة في الصحراء

السبت 04 يناير 2020 - 09:34 صباحاً بتوقيت القدس

حسين جبارين - عكا للشؤون الاسرائيلية

معاريف – مقال - بقلم: تل ليف رام

 

تكون أحيانا جملة قصيرة واحدة بالذات تخفي رسالة أكبر من خطاب كامل. فمثلا، ما قاله قائد سلاح الجو اللواء عميرام نوركين: "هجوم سلاح الجو الأمريكي في العراق هو إمكانية كامنة لانعطافة". وعمليا تختبئ في الجملة التي اختارها نوركين القصة بكاملها. فلو لم يكن هذا الحلف الاستراتيجي الأهم لدولة إسرائيل، لكان معقولا الافتراض بأن نوركين سيضيف بأن سلاح الجو الأمريكي فعل بالإجمال ما يفترض أن يفعله منذ زمن، بدلا من أن يتجاهل "الإرهاب" واستخدام القوة العسكرية في منطقة الخليج.

 

ترى إسرائيل في سياسة ضبط النفس العسكري للولايات المتحدة تجاه الأعمال الإيرانية – ضرب ناقلات النفط، إسقاط الطائرة المسيرة وضرب آبار النفط في السعودية – مشكلة استراتيجية خطيرة، من شأنها أن تعطي إيران ثقة مبالغة فيها بالنفس وتؤدي إلى تشديد الأعمال العسكرية ضد إسرائيل.

 

في إسرائيل يرون بالطبع بالإيجاب العملية الأمريكية، مثابة من الأفضل أن يكون الحال متأخرا على ألا يكون على الإطلاق، ولكن لا يزال هذا لا يعد تغييرا ثابتا في السياسة الأمريكية من حيث تثبيت معادلات رد جديدة على العدوان الإيراني في المنطقة، وفي هذه الأثناء يحاولون التركيز على العقوبات الاقتصادية في ظل الامتناع عن استخدام القوة العسكرية في المنطقة.

 

في القيادة الأمنية في إسرائيل يرون في الخطوة الأمريكية المتمثلة بالهجوم على قواعد الميليشيا الشيعية المتماثلة مع الحرس الثوري في إيران، عملية موضعية جاءت كرد على إطلاق الصواريخ في الأسبوع الماضي على قاعدة لقواتها في العراق أدى إلى قتل مواطن امريكي. لا يدور الحديث عن إشارة واضحة إلى تغيير السياسة، حتى في حالات مستقبلية يكون فيها هدف الهجوم من جانب الميليشيات الشيعية العاملة بتوجيه مباشر من قوة القدس الإيرانية أهدافا أمريكية.

 

يعيش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في معضلة استراتيجية: فهو من جهة يتطلع إلى تقليص التواجد العسكري الأمريكي والتدخل في العراق، ومن جهة أخرى لا يمكنه أن يتنكر لحقيقة أن الإيرانيين يواصلون تشديد قبضتهم على الجمهورية الممزقة والمنهكة. والأمر الوحيد الذي سيقرر استمرار طريقه هو المصلحة الأمريكية، التي لا تتطابق دوما مع مصالح إسرائيل.

 

 

يوجد الأمريكيون خارج الصورة في كل ما يتعلق بتثبيت التواجد الأمريكي في سوريا، والسيطرة الروسية ليست موضع شك. هكذا بحيث إن إسرائيل تبقى وحدها في المعركة، المتوقع أن تستمر في العقد الجديد أيضا، وحسب التقديرات الاستخبارية ستتعاظم في السنة القريبة القادمة. صحيح أن الإيرانيين يستثمرون المقدرات في بناء القوة العسكرية للمحور الشيعي في مواجهة إسرائيل في سوريا، ولكن من ناحيتهم فإن الساحة المركزية هي العراق، وهم يعملون على تحقيق هيمنة نظام آيام الله على الدولة وبما يتناسب مع ذلك يستثمرون هناك مقدرات اقتصادية وعسكرية.

 

إذا كان يمكن لنا أن نجد جانبا إيجابيا في هذا الميل، فهو يوجد في الرغبة الإيرانية في الحفاظ على سياسة العمل بمستوى متدنٍ من البروز. فرغم التصريحات الهجومية من جهة إيران، فإن النظام يأخذ بالحسبان ثمن المواجهة الجبهوية مع إسرائيل.

 

لقد أدى العقد الماضي إلى انعطافات استراتيجية في المنطقة. فقد بدأ بثورة الربيع العربي، التي غيرت الصورة تماما وانتهت بتعزيز المحور الشيعي الإيراني من الخليج وحتى منطقتنا ومع الروس هنا الذين عززوا مكانتهم.

 

لم تجر الهزة في العالم العربي إسرائيل إلى حروب كبرى في سوريا وفي لبنان. وفي الضفة الغربية أيضا بقي التنسيق الأمني وصمد في اختبارات كبرى، بما فيها الجمود السياسي والعلاقات المتضعضعة بين القدس ورام الله. وتحت ولاية رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت والحالي أفيف كوخافي وبتعليمات من القيادة السياسية، عملت إسرائيل في خط فاعل تجاه تعاظم القوة الإيرانية في ظل الحرص على عدم الوقوع في مواجهات عسكرية كبرى.

 

 ولم يترك عدم الاستقرار في المنطقة تأثيرا مباشرا على جدول الأعمال في إسرائيل، والتي بخلاف جيراننا واصلت النمو في هذه السنوات من ناحية اقتصادية. فجهاز الأمن والقيادة السياسية جديران بالثناء على إدارة سياسة أمنية واعية ومسؤولية تميزت بأخذ مخاطرات غير قليلة وبالسير على الحافة بين حدث أمني موضوعي واشتعال اقليمي. ومع ذلك لا يمكن لنا أن نتجاهل حقيقة أن ميل تثبيت الوجود الإيراني في المنطقة يتواصل وحزب الله عظم بشكل واضح قدراته العسكرية.

 

في جهاز الأمن يقدرون بأنه في مواجهة مستقبلية في الشمال سيكون حزب الله قادرا على أن يهدد أيضا أهدافا استراتيجية في الجنوب، بما فيها ميناء أسدود، محطات توليد الطاقة وقواعد سلاح الجو وأهدافا استراتيجية أخرى. هذا هو السبب الذي يجعل إسرائيل تركز في السنوات الأخيرة، وفي السنة الأخيرة بشكل علني، على محاولة وقف مشروع الصواريخ الدقيقة. وحسب تصريحات محافل الأمن، فإنه إذا واصل حزب الله العمل على المشروع فإن احتمال المواجهة العسكرية معه سيكون أعلى من المواجهة مع إيران.

 

يثير دخول نفتالي بينيت إلى منصب وزير الجيش بحثا مشوقا في القيادة الأمنية في إسرائيل. فعمليات الحرب ما بين الحروب، ولا سيما في سوريا وإن كانت أوقفت وتيرة التقدم المرغوب فيها من الإيرانيين، ولكنهم معروفون بتصميمهم وثباتهم، ومن غير المتوقع أن يتراجعوا. والسؤال إذا كان نمط العمل الحالي استنفد نفسه يوجد الآن على الطاولة.

 

في الجيش الإسرائيلي يعتقدون أنه إلى جانب استمرار الضغط على الإيرانيين يجب العمل ضد الحكم والجيش السوري. فاذا نفذت إيران تهديداتها وردت من الأراضي السورية ضد أهداف إسرائيلية فينبغي للجيش السورية أن يكون على بؤرة الاستهداف. ولكنهم يحرصون على القول إنه يجب مواصلة العمل بحيث لا تؤدي المواجهة إلى التصعيد. أما وزير الجيش بالمقابل، فيعرض موقفا مختلفا. على حد قوله ينبغي أن نشدد منذ الآن الضغط على الإيرانيين وضرب أهدافهم المباشرة في سوريا. وحتى إن أدت الهجمات إلى قتلى إيرانيين، وليس فقط بين رجال الميليشيات، الذين لا يأبه بهم أحد. وعلى حد مفهومه فإن عملا هجوميا أكثر لن يؤدي بالضرورة إلى التصعيد، بسبب الضعف النسبي للإيرانيين في المنطقة.

 

تجري مداولات معمقة وجدية حول هذا الخلاف الجوهري في طريقة العمل، والتوافق بين وزير الجيش وقيادة الجيش الاسرائيلي ليس شرطا ضروريا. ففي الجيش يعتقدون بأنه في فترة الانتخابات ينبغي أخذ جانب الحذر. أما بينيت فيختلف مع هذا النهج. وقد أعاد تعريف الحرب ما بين الحروب كـ "واقع بين حملات الانتخابات". وعلى حد قوله فإن إسرائيل توجد كل الوقت في حملة انتخابات، وتغيير السياسة يجب أن يتم منذ الآن.

 

وبسبب الآثار المحتملة لمثل هذا الحسم سيكون مطلوبا بحث في الكابينت، وسيكون لرئيس الوزراء، الذي رأى في السنوات الأخيرة الأمور في الغالب انسجاما مع رؤية الجيش الإسرائيلي، وزنا شبه حصري في القرار.

 

ومن "الكريا" في تل أبيب إلى قطاع غزة. فالأسبوع الماضي كان شهد مرة أخرى محاولات التفاهمات مع حماس. في إسرائيل يشخصون فرصة في القطاع، ولكن الإرادات لم تكن أبدا العنصر الوحيد الذي يؤثر في الوضع هناك. وحدود الجبهة في الجانبين لا تزال ضيقة جدا. بسبب الرغبة في الوصول إلى فترة هدوء طويلة، اتخذت إسرائيل غير قليل من الخطوات والأعمال في السنة الأخيرة كانت في الماضي أعلن عنها كأمور لا يمكن عملها حتى استعادة الملازمة هدار غولدن، العريف اول اورون شاؤول وغيرهما من المفقودين إلى اسرائيل.

 

إن سلة الامتيازات لغزة آخذة في الفراغ، والخطوة التالية على جدول الأعمال والتي تعتبر دراماتيكية على نحو خاص هي إدخال آلاف العمال من القطاع إلى اسرائيل. هذا الموضوع موضع خلاف وعليه تجري مباحثات بين الجيش الإسرائيلي الذي يعرب عن تأييده للخطوة والمخابرات الإسرائيلية التي تعارض ذلك بشدة. وفي هذه الأثناء يقدر جهاز الامن بأن هذا الموضوع لن يطرح على جدول الأعمال قريبا ولا سيما في ذروة حملة الانتخابات.

 

في هذه المرحلة تحاول إسرائيل وحماس كسب مزيد من الوقت للهدوء، كل طرف لمصالحه، وتحسن الوضع الاقتصادي في غزة يوصف في إسرائيل كمصلحة أمنية. في هذه المرحلة يوجد ما يكفي من محافل "الإرهاب" في قطاع غزة ممن يسعون إلى تقويض التفاهمات المحدودة الآخذة في التحقق بين إسرائيل وحماس بحيث أن كلمة "تسوية" تعد حاليا أكبر بعدة مقاييس عن وصف الوضع على الأرض.

 

(الخلاصة: قد يعد الهجوم الأمريكي في العراق انعطافة إيجابية من ناحية إسرائيل التي لا تزال حاليا مع ذلك توجد وحيدة في مواجهة تثبيت التواجد الإيراني في المنطقة).

x