مقال مترجم..

مقال: في العراق وفي لبنان المشكلة مستمرة

الثلاثاء 21 يناير 2020 - 08:05 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

"في العراق وفي لبنان الجمهور يكتشف مرة أخرى بأنه يستطيع اسقاط الحكومات، لكن ليس الأنظمة"، هذا ما كتبه تسفي برئيل لصحيفة "هآرتس" العبرية.

 

"توجد لدينا أربع طائرات أف 14 وأربع طائرات سوخوي 25، وهذا كاف للدفاع عن سمائنا"، قال المتحدث بلسان رئيس الأركان في الجيش العراقي، عبد الكريم خلف. الدفاع ممن؟ هذا الأمر لم يتطرق اليه. مشكوك فيه إذا كان المتحدث يعبر عن موقف الحكومة العراقية التي تستمر في أجراء المفاوضات مع ممثلي الإدارة الأمريكية حول سحب القوات الأمريكية من الدولة. والانسحاب لن يكون في الوقت القريب كما يبدو. الإدارة الأمريكية أوضحت بأنه لا توجد لها خطط لسحب قواتها، وعلى الأكثر سيتم نقل عدد من الجنود الى مواقع جديدة.

 

إذا كانت الحكومة الانتقالية في العراق اعتقدت بأن تصفية قاسم سليماني ستحدث ثورة وستخرج القوات الأمريكية من العراق، فقد خاب أملها في الوقت الحالي، حيث أن مشكلتها الأساسية ليس التواجد الأمريكي، بل المظاهرات التي تجددت بكامل القوة في بغداد وفي مدن الجنوب مثل البصرة والناصرية. في نهاية الأسبوع الماضي خرج آلاف الناس الى الشوارع في هذه المدن وهم ينادون بالشعارات المعروفة التي أساسها المطالبة بإنهاء التواجد الإيراني في العراق وإخراج القوات الأمريكية من الدولة. وقد قتل متظاهران بنار قوات الأمن والمئات أصيبوا والكثيرون اعتقلوا. الاشتعال الذي خفت لبضعة أيام على الفور بعد تصفية سليماني عاد بكامل القوة، ومعه تجددت المطالبة الملحة بإجراء انتخابات جديدة وعدم السماح لرئيس الحكومة الانتقالية، عادل عبد المهدي، بالعودة الى الحكم. وبعد شهرين على استقالة رئيس الحكومة، رؤساء الأحزاب الكبيرة لم ينجحوا بعد في الاتفاق على رئيس حكومة جديد أو على الخطوة السياسية القادمة.

 

الاشتعال يتواصل في لبنان أيضًا. مئات المتظاهرين في بيروت وطرابلس في الشمال خرجوا للتظاهر ضد الحكومة وتسببوا بإغلاق فرع البنك المركزي في طرابلس واحرقوا إطارات السيارات ورشقوا الحجارة، منادين بتشكيل حكومة جديدة. وحسن نصر الله حذر من أنه إذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة فإن لبنان سيدمر. وفي المقابل، خصومه في الشارع يشيرون اليه باعتباره المتهم الرئيسي وربما الوحيد في تدمير الدولة واحباط أي حل سياسي.

 

في هاتين الدولتين يكتشف الشعب مرة أخرى بأنه يمكنه اسقاط حكومات، لكن ليس أنظمة. وقبل ثلاثة أشهر تقريبًا حظيت هذه المظاهرات بصفة "الربيع العربي الجديد". وقد اعتبر القتلى شهداء الديمقراطية، وقوات الأمن أطلق عليهم اسم "قتلة"، لكن ليس في أي من هاتين الدولتين وحتى ليس في إيران أيضًا التي تستمر فيها المظاهرات، نجحت حركات الاحتجاج في تقديم قيادة بديلة. النشطاء في الشبكات الاجتماعية وأصحاب مكبرات الصوت في الميادين وراشقي الحجارة ومشعلي الإطارات هم مجهولون بالنسبة للجمهور الواسع. وعندما سيتم إجراء الانتخابات هم لن يجلسوا في الحكومات التي سيتم تشكيلها بعد ذلك، طالما أن هذه الطريقة تواصل إدارة أجهزة الحكم.

 

الفرق بين هاتين الدولتين هو أنه في العراق توجد بنية اقتصادية تستند على احتياطي النفط الخامس في العالم، في الوقت الذي لا يوجد فيه للبنان أي مورد يضمن سداد ديونه التي تبلغ 90 مليار دولار والتي تشكل نحو 155 في المئة من الناتج الخام الإجمالي. ولكن أيضًا مع مواردها الضخمة، إلا أن العراق غارق بديون كبيرة، ومثل لبنان هو غارق في الفساد العميق الذي يعزز الطبقة الحاكمة. الدول المانحة وعدت لبنان بـ 11 مليار دولار تقريبًا. ونظريًا هذا المبلغ يمكنه مساعدتها في سداد جزء من ديونه. ولكن لن يتدفق ولا حتى دولار واحد اليها طالما أنه لا توجد حكومة موثوقة يمكنها ضمان أن الأموال ستصل الى الأهداف الصحيحة.

 

من أجل تغيير "الطريقة" لا يكفي إبعاد حزب الله عن مركز القوة السياسية التي يوجد فيها. ومثلما في العراق، فإن التركيبة الطائفية للنظام وتوزيع الغنائم بين الطوائف الكبيرة والاعتقاد بأن الدولة تعود للاوليغاركيين، تُملي التشريع وتوزيع الموارد بين المجموعات القوية. في هاتين الدولتين الكلمة السحرية هي "حكومة تكنوقراط"، أي حكومة لا تعمل كمندوبة للطوائف، بل تضع المصالح الوطنية نصب عينيها. هذا في الحقيقة شعار جميل، لكن مشكوك فيه إذا كانت حكومة كهذه يمكنها حقًا أن تقوم. ومن أجل النجاح في هذه المهمة يجب عليها أن تضرب بقوة مصالح أرباب المال. ومشكوك فيه أيضًا أن تجد شخص تكنوقراط مستقل لا يكون مقيد بإحدى الطوائف أو لا يتم الشك به فورًا بالتحيز لطائفته.

 

الدليل على ذلك يمكن إيجاده في المفهوم الذي اخترعه الرئيس اللبناني ميشيل عون الذي يعارض حكومة تكنوقراط، لكنه يقترح بدلاً منها حكومة "تكنوسياسية"، التي تعني حكومة فيها يكون الوزراء سياسيون مع القليل من الخبرة المهنية. حزب الله يرفض تمامًا هذا الاقتراح، وهو يطالب بحكومة تمثل جميع الشرائح، وعمليًا، لن تكون مختلفة عن الحكومة السابقة. رئيس الحكومة المعين، حسن ذياب، يصمم حتى الآن على تعيين حكومة خبراء، لكنه أدرك بأنه لن ينجح في اقناع ذوي المصالح الذين وافقوا على تعيينه في هذا المنصب.

 

في لبنان وفي العراق فإن الطائفية والقبلية تجد تعبيرها بواسطة الأحزاب التي تدير صراعاتها في ساحات مثل البرلمان والحكومة. وخلافًا لدول أكثر تمأسسا مثل مصر والأردن، فإنه في لبنان والعراق البرلمان هو مجلس تشريع حقيقي، فيه توجد للحكومة معارضة فعالة. والأهم من ذلك هو أن الجمهور في الدولتين يدرك قوته وهو يستخدمها. وتوجد فيهما معارضة جماهيرية تستند بالأساس على الجيل الشاب الذي هو على الأقل يشكل نصف عدد السكان. والسؤال هو إذا كان هذا الجيل سينجح في ترجمة طموحاته الى انتصار سياسي.

x