مقال: "صفقة القرن".. خطة ضمّ وليس سلام

الأربعاء 29 يناير 2020 - 04:18 مساءً بتوقيت القدس

عمار ياسر - عكا للشؤون الاسرائيلية

صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية - بقلم ناحوم برنياع:

 

نتنياهو مُحقّ، هذا حقاً مساء تاريخي، فالخطة التي تحمل اسم ترامب تُنهي فصلاً وتبدأ فصلاً جديداً في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. حل الدولتين، الذي تحكم بالخطاب الدولي منذ 1993، يفقد مع الخطة ما تبقى له من صلة. دولة واحدة ستحكم بين النهر والبحر، برعاية أمريكا. هذه ليست خطة سلام، هذه خطة ضم.

 

خططٌ ومخططات أمريكية كانت لنا بوفرة، منذ خطة الرئيس ريغان في 1982. كل هذه المبادرات أثارت ضجيجاً كبيراً في حينه وتبددت. وعلى الرغم من ذلك، فإنها خلفت وراءها توقعات جعلت تحقيق الاتفاق صعباً.

 

أما خطة ترامب فتفعل أكثر من هذا، تعطي حكومة نتنياهو إسناداً لسلسلة خطوات من طرف واحد، ابتداء من يوم الأحد القريب القادم.

 

في المرحلة الأولى ستُضم الكتل الاستيطانية وغور الاردن؛ وفي المرحلة الثانية ستُضم المستوطنات المنعزلة والطرق المؤدية إليها.

 

على الأرض لن يحصل شيء – ليس فوراً. فاليوم أيضاً ينطبق القانون الإسرائيلي على سكان المستوطنات. والحقائق ستتقرر على الأرض بعد ذلك: فهي ستخلق بالضرورة واقع منظومتين قانونيتين لفئتين سكانيتين في ذات قطعة الأرض – واحدة مسيطرة، والثانية خاضعة للاحتلال. بتعبير آخر، دولة "أبرتهايد".

 

ينبغي البحث في الخطة الأمريكية دون صلة بلوائح الاتهام ضد نتنياهو، كما ينبغي البحث في لوائح الاتهام دون صلة بالخطة. صحيح أن هناك صلة، سواء بالتوقيت أم بالمضمون، ولكن المسألتين هامتان بما يكفي للبحث فيهما كل على انفراد.

 

لعله من الأفضل التركيز على نصف الكأس الممتلئ. فالخطاب الذي ألقاه ترامب أمس كان الخطاب الأكثر عطفاً على إسرائيل، يُلقيه رئيس أمريكي في أي مرة كانت. أما الخطة المفصلة فتفعل أكثر ما تستطيع كي تلبي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل وللمستوطنين في الضفة. فقد حقق نتنياهو من محادثيه الأمريكيين ما لم يتمكن أسلافه من تحقيقه: الاعتراف بسيادة إسرائيل في شرقي القدس حتى جدار الفصل؛ وكذا الاعتراف بالسيطرة الأمنية في كل الضفة؛ وكذا تبادل الأراضي على أساس غير متساوٍ؛ وبالأساس: سلسلة شروط مسبقة لا يمكن لأي قيادة فلسطينية أن تقبل بها. أما الدولة الفلسطينية المستقلة التي يتحدث عنها ترامب فبائسة أكثر من أندورا، منقسمة أكثر من جزر العذراء.

 

إنجاز نتنياهو، بالمساعدة المتحمسة من كوشنير وفريدمان، هو في نظري هدية غم: فهو يؤدي الى نهاية الدولة اليهودية – الديمقراطية، الى نهاية الصهيونية. ولكن يمكنني أن أفهم فرح أولئك الذين يعتقدون خلاف ذلك. برأيهم، الإنجاز عظيم. فهم يؤمنون حقاً بأن ترامب هو الصديق الأكبر لإسرائيل في البيت الأبيض؛ هم يؤمنون حقاً بأن "نتنياهو هو المسيح".

 

لقد كانت إسرائيل منذ قيامها مسألة سياسية داخلية في أمريكا، ليست مسألة في السياسة الخارجية. كلما تعاظم نفوذ يهود الولايات المتحدة، تعاظم الالتزام بإسرائيل. ولكن في السنوات الأخيرة طرأ تغيير: انتقل تشديد من اليهود إلى الافنجيليين. ترامب بحاجة إليهم، إلى أموالهم، إلى تواجدهم في مهرجاناته وإلى مشاركتهم في الانتخابات. اليهود معقدون: فهم في غالبيتهم الساحقة يمقتون ترامب ويبتعدون عن إسرائيل. وخطابا ترامب ونتنياهو كانا موجهين إلى آذان الإفنجيليين. كانت هذه هي مساهمة نتنياهو المتواضعة في انتخابات ترامب.

 

لقد كان التوقيت هو المساهمة غير المتواضعة من ترامب في انتخابات نتنياهو. لا أدري كم من الأصوات أضاف نتنياهو لنفسه أمس، هذا اذا أضاف. ولكن نية ترامب، للتدخل في الانتخابات هنا، واضحة تماماً. وحقيقة أن محاكمة عزله، التي تجري الآن في مجلس الشيوخ، يتهمونه بمحاولة تجنيد دولة أجنبية ضد خصم سياسي لا تمنعه من تكرار المناورة: نتنياهو يساعده؛ وهو سيساعد نتنياهو. هو ليس الرئيس الأمريكي الأول الذي يعمل هكذا مع إسرائيل، وليس الأخير. سبق أن قلنا: إسرائيل هي سياسة أمريكية داخلية.

 

كل شيء يدخل في هذا الأمر، بما فيها لوائح الاتهام. لو لم تكن لوائح الاتهام، لما خرجت خطة ترامب إلى النور، وبالتأكيد ليس في هذا التوقيت. لو لم يخدع نتنياهو الجهاز القضائي على طول الطريق، لكان مشكوكاً فيه أن يسارع المستشار بهذه السرعة. "هو مهووس"، اتهم نتنياهو مندلبليت. اما المهووس فهو نتنياهو. لا يمكن عدم التأثر بتمسكه بالمهمة.

 

عند الحاجة، سيأخذ الطائرة التي تمول من ضرائبنا، فيطير كل الطريق من واشنطن إلى موسكو ويأخذ فيها شابة تسمى نوعاما يسسخار. الكثير من الأمور الغريبة يفعلها رؤساء الدول في الطريق إلى الانتخابات، ولكن يبدو لي أن هذه هي المرة الأولى التي تحظى فيها مجرمة مدانة، وإن كانت بجريمة خفيفة، بأن تطير بالمجان في طائرة رئيس الوزراء. يوجد بعض الأبرياء الذين كانوا سيفرحون بالصعود إلى الطائرة، ولكن الأبرياء لا يساوون كثيراً في صناديق الاقتراع.

x