مقال: نقل قرى المثلث.. بين سياسة "الأبرتهايد" وتعديل الحدود

الثلاثاء 11 فبراير 2020 - 02:52 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

صحيفة "هآرتس" العبرية - بقلم:  آدم راز:  

 

فقرة واحدة في "صفقة القرن" أدت إلى التشويش على مفاهيم اليسار الإسرائيلي، وفيها تقترح الإدارة الأمريكية نقل قرى المثلث، بدءاً من كفر قاسم جنوباً وحتى أم الفحم شمالاً، إلى الدولة الفلسطينية في إطار اتفاق لتبادل الأراضي. يتوقع أن يكون تبادل الأراضي جزءاً من حل شامل للنزاع. لم يُشر في الصفقة إلى بلدات يهودية، وذلك أنها أفكار كانت لأشخاص من اليمين واليسار في العشرين سنة الأخيرة، ولوجود مقتضيات جغرافية تفترض بأن عدداً من البلدات اليهودية سيتم نقلها أيضاً إلى الدولة الفلسطينية.

 

أعيش الآن في "كتسير" التي تقع في شرق شمال برطعة وشرق عرعرة قليلاً، لذلك فإن منزلي سيتم نقله أيضاً إلى وراء الحدود المتخيلة، وكذا مدرسة كفر قرع التي يتعلم فيها أولادي.

 

كثيرون في اليسار اليهودي والعربي سارعوا إلى التنديد بهذه الخطوة وعن حق. عضو الكنيست جبارين (القائمة المشتركة) قال إنه "في أساس أفكار الترانسفير ثمة هدف عنصري، وهو خفض عدد المواطنين العرب وإضعاف مكانتهم والمس بنضالهم من أجل المساواة" (هآرتس، 1/2). وأوضح ينيف ساغي، رئيس إدارة "ميرتس"، بأن الأمر لا يتعلق بـ"ترانسفير فردي"، بل بـ"ترانسفير جماعي… يعمل على رمي المواطنين من دولتهم" (غلوبوس، 2/2). أمّا زهافا غلئون فأشارت إلى أن الحديث يدور عن اقتراح للترانسفير، ومن هنا يأتي سحب الجنسية (هآرتس، 6/2). ورجل التعليم شولي ديختر أوضح بأن "اقتراح حرمانهم من الجنسية سيلزم من يطالبون بذلك بذكر وسائل نقلهم إلى الحدود. وهذا أمر مبالغ فيه" (هآرتس، 2/2). وهناك كثيرون تحدثوا بهذه الروح.

 

أنا مثلهم أيضاً، أعارض إخراج أراضي قرى المثلث من دولة إسرائيل، ولكني لا أرى مثلهم في هذا الاقتراح أي أمر يذكر بالترانسفير بمعناه المعروف في الخطاب الإسرائيلي. لا يدور الحديث عن دلالات لفظية لسببين: الأول، لأن مفهوم "الترانسفير" له مضمون محدد في التاريخي الإقليمي؛ والسبب الثاني، لأنه يجب علينا التدقيق في المفاهيم، إزاء خصومنا السياسيين وإزاء أنفسنا من أجل إنهاء النزاع.

 

ثمة نوعان من الترانسفير في الخطاب الدارج: الأول، نقل السكان من دولة إلى دولة أخرى مع الأراضي التي يعيشون فيها، وذلك على الأغلب في إطار اتفاق. وهناك أمثلة قليلة على مثل هذا الترانسفير، مثل نقل منطقة شلزفيغ هولشتاين من سيادة الدانمارك إلى سيادة ألمانيا بعد الحرب في العام 1864، وإلغاء الحكم الذاتي لفرنسا الذي ساد منذ اتفاق فرساي في منطقة السار وضمها إلى ألمانيا في العام 1957. الثاني، المعروف أكثر في منطقتنا، هو طرد السكان بالقوة. والمثال الواضح هو إخلاء القرى والمدن في حرب العام 1948. هناك أنواع فرعية من الترانسفير، ولكن إذا اخترنا استخدام هذا المفهوم فإن هذين المعيارين متميزان ومتناقضان.

 

في حالتنا لا يوجد أي ترانسفير بالقوة. ولكن الكثيرين الذين ردوا على ذلك يستخدمون هذا المفهوم هنا أيضاً. سليم بريك، المحاضر في العلوم السياسية، كتب بأن خطة ترامب هي صيغة من خطة "حفرفيرت" من العام 1956 التي كان هدفها طرد سكان القرى المثلث إلى الأردن (هآرتس، 3/2). وفي حينه، كانت هناك نية لطرد مجموعة سكانية، ويدور الحديث هنا عن اتفاقات بين كيانين أساسيين هما إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

 

الفقرة المذكورة في الخطة لا تتحدث عن الترانسفير، ولا يوجد فيها أي ذكر للأبرتهايد، وهو المفهوم الذي يتم ذكره كثيراً مؤخراً. ونظام تصاريح الحركة والعمل وحظر التجول الليلي ودوريات الشرطة الدائمة، كل ذلك يعتبر أبرتهايد، والحكم العسكري الذي تم فرضه على عرب البلاد حتى العام 1966 هو مثال على هذا النظام. في حينه لم يكن باستطاعة المواطنين العرب اختيار مكان سكنهم، وقد أملت السلطات عليهم الأمر من قبل. ورغم ذلك، يمكن للمواطن الذي يعيش في المثلث في الوقت الحالي أن يحزم أمتعته ويبحث عن مكان آخر في الدولة. وإذا كانت العائلات العربية في كفر قرع لا تريد أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية فهناك خيار لها –من ناحية قانونية– وهو أن تنقل مكان سكنها مثلما هذا الخيار مفتوح أمام عائلتي. في نظام الأبرتهايد لم يكن بالإمكان فعل ذلك. هكذا، يمكن الافتراض بأن مئات العائلات التي تعيش في كتسير ستنتقل إلى داخل حدود دولة إسرائيل ولن تختار أن تكون من سكان فلسطين. لذلك، فإن الادعاء بأن الخطة تفرض "سحب الجنسية" غير صحيح.

 

في العشرين سنة الأخيرة أُعطيت تأكيدات كثيرة في مختلف الاقتراحات على نقل قرى المثلث لدولة فلسطين، ولكن معظم هذه الاقتراحات لم تطرح سحب الجنسية الإسرائيلية من الفلسطينيين (أو اليهود) الذين يعيشون في قرى المثلث، إذا قاموا بنقل مكان سكنهم إلى داخل حدود الدولة الجديدة. عملياً، وحسب القانون الإسرائيلي والقانون الدولي، فإن هذا الأمر غير قانوني. وهنا يدور الحديث عن اتفاق بين دولتين. وحسب معرفتي، لا توجد أي سابقة تم فيها نقل أراضي مأهولة من دولة إلى دولة أخرى بالقوة، في عشرات السنين الأخيرة. ولكن لماذا الآن؟ وهل تتوافق مع القانون؟ تغيير متفق عليه للحدود.

 

هذا هو لب الموضوع، الدولة يمكنها رسم حدودها. وإذا تغيرت الحدود ومنطقة معينة لم تكن جزءاً من الدولة، فلسكانها الحق في تغيير مكان سكنهم. وعلى الجمهور أن يناضل من أجل ترسيم الحدود ومن أجل الطبيعة التي ستحسم فيها، عن طريق التصويت في الكنيست أو من خلال استفتاء عام، لكن لا يجب تسمية تغيير الحدود بمفهوم الترانسفير أو الأبرتهايد، لأننا بذلك نمس بشرعية الدولة في العمل. لأن هذا الجمهور الذي يسمي نشاطات الدولة التي تريد ترسيم حدودها بالترانسفير، هو نفس الجمهور الملزم بأن يثق بها في موضوع التوصل إلى حل للنزاع.

 

لا شك في أن هناك من يعتبرون الخطة فرصة لتقليص عدد العرب في الدولة، وهو الأمر الذي يتساوق بالتأكيد مع سياسة نزع الشرعية السامة تجاه المواطنين العرب. فكرة تبادل المناطق المأهولة في المثلث هي فكرة مشوهة (وهنا لن نذكر الأسباب الكثيرة لذلك)، ويجب محاربتها بالوسائل والأدوات الصحيحة، ليس عن طريق إطلاق الشعارات والمفاهيم غير الدقيقة التي تسحب البساط من تحت أقدام من يريدون السلام، بل عن طريق صراع اجتماعي وسياسي مشترك.

x