حكومة نتنياهو-غانتس ماذا تعني؟ 

الأحد 29 مارس 2020 - 01:02 مساءً بتوقيت القدس

حسين جبارين - عكا للشؤون الاسرائيلية

للكاتب: ناصر ناصر (كاتب ومختص في الشأن الإسرائيلي)

بغض النظر أكانت دوافع زعيم حزب "حصانة لإسرائل" بيني غانتس للانضمام للحكومة بالتناوب مع نتنياهو أولا دوافع وطنية، أي لانقاذ "الدولة" من ورطتها السياسية، أم شخصية ضيقة أم واقعية سياسية، لأن خيار الانضمام هو الأقل سوءا وهذا المرجح، بغض النظر عن عدم وضوح كافة التفاصيل للاتفاق وبعيدا عن صيحات الانكسار الصادرة عن تيار الوسط-يسار وكل من راهن على سقوط نتنياهو، إلا أن قرار غانتس شكل منعطفاً مهماً ومصيريًا، فأخرج إسرائيل من ورطتها السياسية مؤقتاً على الأقل، وستكون له تداعياته الواضحة على إسرائيل وعلى الشعب الفلسطيني الخاضع لويلاته، فما هي أهم هذه التداعيات؟

 

على الصعيد الداخلي، فسوف تتمتع الحكومة باستقرار معيّن، فهي مدعومة من 74 عضو كنيست على الأقل، وهي تمثل فعلا توجهات الجمهور اليهودي المسيطر والسائد في إسرائيل، فما يمثله نتنياهو وتحالف اليمين حريديم من قيم وثقافة سياسية، هو جوهري وضارب في أعماق المجتمع الإسرائيلي، فالتوجه نحو مزيد من التطرف القومي الديني الاستيطاني هو استمرار طبيعي من المتوقع أن يستمر لدولة استعمار استيطاني كولونيالي، ويبدو أن غانتس أدرك ذلك جيداً، وقرر التوجه لحكومة وحدة ولم تكن أزمة الكورونا إلا مبررا إضافيا أمام معارضيه، وعليه، فمن غير المتوقع أن ينتهي مستقبل نتنياهو قريبا، بل قد تكون هذه الحكومة هي حبل النجاة (النهائي) لاحتمالات محاكمة نتنياهو والقضاء على مستقبله السياسي. 

 

شكّلت هذه التطورات كاشفاً آخرا لزيف الديموقراطية الإسرائيلية المزعومة، فقد استطاع شخص واحد يسمى نتنياهو، ومدعوما بالكامل من أحزاب اليمين واليمين الديني والحريديم، ورغم تقديم لوائح اتهام ضده بقضايا فساد خطيرة كالغش والخداع وخيانة الأمانة، استطاع نيل أصوات غالبية الجمهور اليهودي وتجاوز كل مؤسسات الدولة الأخرى كالقضائية والشرطة والإعلام، فأي ديموقراطية هذه وأي ليبرالية؟ وقد يحاول غانتس أن يظهر كمن يدافع ويحمي الديموقراطية أمام تغول اليمين.

 

أما فلسطينيا، فقد يشّكل انضمام غانتس للحكومة عاملا محفزا لمسار التهدئة مع غزة، بل قد يحرم عناصر أكثر تشدداً كنفتالي بينت وإيليد شاكيد وأعضاء من الليكود من الفيتو الذي كانوا يستخدمونه ضد بعض الخطوات لصالح الفلسطينيين في غزة، كالتسهيلات الإنسانية والمضي قدما في تحقيق تقدم جوهري في ملف تبادل الأسرى وإعادة الجنود والإسرائيليين من غزة.

 

أما على صعيد السلطة الفلسطينية -والتي كانت ترغب بسقوط نتنياهو وفوز تحالف وسط-يسار- فسيسعى غانتس ودون نجاح على الأرجح بتعزيز العلاقة معها ومحاولة تحريك مسار وهمي للتفاوض، وربما يكبح أيضا خطوات وإجراءات ضدها، وقد يدفع باتجاه تقوية موقفها في غزة، إلا أن الواقع الذي تشكل على الساحة الفلسطينية في الضفة والقدس وغزة أقوى من قدرة غانتس ذو الـ 15 مقعدا على التأثير الحقيقي فيه، وخاصة في ظل كتلة الـ 58 مقعدا لليمين حريديم، وفي كل الأحوال فلن يكون غانتس عامل تطرف جديد للحكومة، بل ولأول مرة منذ عقود ينضم للحكومة عنصر أقل تشدداً وتطرفاً.

 

مما لا شك فيه أن تشكيل حكومة نتنياهو غانتس سيحرك بعض المياه الراكدة في العلاقات الفلسطينية الاضطرارية مع إسرائيل، ولكنه لن يؤثر جوهريا على سياسات الاستيطان والحصار وتهويد القدس والقمع اليومي للفلسطينيين، وبالتالي يجب أن لا يؤثر على استمرار تطوير مقاومة الشعب الفلسطيني لهذا الاحتلال.

 

ولأن الحكمة ضالة المؤمن، فليتعلم الفلسطيني من عدوه كيف يتوحد رغم الفجوات الكبيرة في المواقف السياسية وكيف دفع غانتس-على الأرجح -مستقبله السياسي الداخلي ثمنا للخروج المؤقت على الأقل من ورطة وأزمة الانقسام الإسرائيلي.

x