مقال: "حزب الله" وتوازن الرعب: إسرائيل بعد الفيروس… من كورونا الأصغر إلى كورونا الأكبر

السبت 25 أبريل 2020 - 06:47 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: الون بن دافيد - معاريف

 

بعد عشرين سنة من خروجنا من لبنان، تلقينا في نهاية الأسبوع الماضي تذكاراً لميزان الردع المتبادل والهش الذي نشأ منذئذ بيننا وبين حزب الله، منظمة حرب العصابات التي كبرت لتصبح جيشاً مع قدرات دولة. تحت غطاء الوباء الذي يلقي بظلاله على الجميع، اختفت الرسالة الخطيرة التي كانت تنطوي عليها أحداث قطع السياج في ليل السبت. ما بدأ كمحاولة إسرائيلية (حسب التقارير) لبث رسالة حازمة ورادعة لحزب الله، انتهى برد جريء من المنظمة، يذكرنا بأننا نحن أيضاً مردوعون.

 

في المركبة التي تعرضت للاعتداء في العيد الثاني للفصح على طريق دمشق – بيروت كان أربعة نشطاء من حزب الله يعملون بتهريب العتاد المتطور من إيران عبر سوريا إلى لبنان. وحسب التقارير الواردة من لبنان، أطلقت طائرة صاروخاً واحداً قرب المركبة التي كانت لا تزال في الأراضي السورية، ما جعل الأربعة يتوقفون على جانب الطريق وينزلون. وبعد دقيقتين فقط، حين كانوا على مسافة آمنة من المركبة، ضربها الصاروخ الثاني ودمرها.  

 

يمكن الافتراض بأن الاعتبار بعدم المس بالنشطاء كان المعادلة التي خلقها حزب الله منذ آب الماضي: رد فتاك على الحدود الشمالية على كل مس باللبنانيين، حتى لو وقع هذا على الأراضي السورية. ولكن مشاهدة شريط الهجوم تثير جوانب مقلقة أخرى. ومعظم الناس الذين يسقط إلى جانبهم صاروخ، يفرون من المركبة بفزع. أما الأربعة فبدوا ينزلون من المركبة بارتياح، وليس بفزع، ما يعني أنهم لم يفاجأوا من هذه الإشارة. بعد بضع ثوان من ذلك، بدا الأربعة يعودون إلى المركبة، بلا ضغط، كي يخرجوا منها الحقائب التي تركوها خلفهم، وكأنهم قالوا: نثق بمن أطلق الصاروخ الأول بأنه لا يقصد المس بنا.

 

كان هناك من رووا لأنفسهم بعد الحدث بأن أولئك الأربعة لن يعودوا بعد الآن للعمل في التهريب، ولكن ما يتبين من الشريط هو العكس تماماً، فهذه الرباعية فهمت جيداً أن من يقوم بعملية "انقر الطريق" ليس معنياً بقتلهم، ومثلما قال توقو في فيلم "الخير، الشرير والبشع": (If you want to shoot- shoot)

 

استغرق حزب الله 48 ساعة كي يخرج رداً إلى حيز التنفيذ كمرآة للعملية التي نسبت إلى إسرائيل. بعد الغروب؛ أي في ليل السبت، تقدمت ثلاثة طواقم للمنظمة في مسارات خفية نحو الحدود وفتحت ثلاث ثغرات في السياج: في منطقة المطلة، يفتح وافيفيم. وباستثناء نقطة واحدة، لم تلاحظهم نقاط الرقابة التابعة للجيش الإسرائيلي، وانصرفوا مخلفين وراءهم أكياس نايلون مع عقدة من الأسلاك الكهربائية وبقايا آلة شفط الغبار. وصلت قوات الجيش الإسرائيلي بسرعة إلى الثغرات، ولكن لم يكن هناك أحد.

 

علينا ألا نتفاجأ من قدرة حزب الله على تحليل النقاط الميتة في رقابة الجيش الإسرائيلي والاقتراب من السياج دون الانكشاف؛ فمعظم رجاله من أبناء المكان، ممن يعرفون كل سبيل وكل قناة حول قراهم. ولكن الرسالة التي نقلها حزب الله كانت: "إن شئت، يمكنني أيضاً أن أصل إلى البلدات الإسرائيلية". الصحافي إبراهيم الأيمن المقرب من نصر الله وصف العملية بأنها "انقر أبواب البلدات".

 

"أجرينا علامة استخبارية وعملياتية أمام منظومة الدفاع والرقابة للجيش الإسرائيلي"، كتب الأيمن. رغم وفرة الكاميرات والوسائل التي نصبها الجيش الإسرائيلي على حدود الشمال، لا تزال على طول الحدود عشرات عديدة من النقاط المخفية، والمناطق الميتة التي تسمح بالاقتراب من السياج دون الانكشاف. في جانب تكتيكي، مطالب الجيش الإسرائيلي الآن بأن يفحص من جديد انتشار الكاميرات والوسائل وإصلاح ذلك. على المستوى الاستراتيجي، يتطلب هذا الحدث من الجيش الإسرائيلي إعادة احتساب سياسة العمل تجاه حزب الله ورجاله. من الصعب إدارة سياسة هجومية فاعلة دون أخذ مخاطر.

 

مساعي دقة

 

لقد كان لبنان غارقاً عميقاً في أزمة اقتصادية حين ضربه كورونا، وبات ممكناً الحديث عنه بتعابير الدولة الفاشلة. إيران هي الأخرى، المرضوضة بالعقوبات وبالمرض، اختطفت الآن ضربة قاضية أخرى مع انهيار سوق الطاقة. هذه الأزمات لا تتجاوز حزب الله الذين اضطر لأن يحتمل تقليص الثلث في ميزانيته التي تبلغ اليوم نحو 650 مليون دولار في السنة. رغم ذلك، فإن المنظمة لا تهجر تطلعها وجهدها للوصول إلى قدرات دقة الصواريخ.

 

على مدى زمن ما، أمل حزب الله في إنتاج الصواريخ الدقيقة على الأراضي السورية بمساعدة جنرال الظل للأسد، باسم حسن، رجل المهمات الصعبة. ولكن الهجمات المتكررة على المنشآت التي أقامها حسن في المجمع العسكري في المصايف أوضحت لحزب الله بأن الأراضي السورية ليست مكاناً آمناً لبرامجهم. فقرر حسن نصر الله، والقائد الجديد/القديم لفيلق لبنان في الحرب الثوري الإيراني حسن مهداوي، نقل إنتاج الصواريخ إلى لبنان، إلى جانب مساعي التهريب المتواصلة من سوريا. وكان تطلعهما هو إنتاج الصواريخ من الألف إلى الياء على الأراضي اللبنانية. في آب من السنة الماضية، هبطت حوامة مسلحة على خلاطة وقود صلبة كانت تقف في ساحة في بيروت. في بداية هذه السنة، نشب حريق في منشأة أخرى مجاورة لمطار بيروت. هذه الأحداث لم تردع حزب الله. فليس لهم نية لأن يتنازلوا، وليس لإسرائيلي قدرة على أن تتنازل في هذا الموضوع. فقدرة حزب الله على توجيه ضربة دقيقة لمنشآتنا الاستراتيجية ستخلق ميزان رعب لن تتمكن إسرائيل من التعايش معه. ويفهم الطرفان بأن الصراع على مشروع الدقة كفيل بأن يحملهما إلى المواجهة. بالنسبة لإسرائيل ستكون هذه حرباً أليمة جداً، ولكنها ستوقع على لبنان خراباً حقيقياً.

 

في هذه الأثناء ينشغل العديد من ضباط البحوث في شعبة الاستخبارات العسكرية في تحليل مراكز نقل عدوى المرض، ولكن العمليات الخاصة تلاحق الفحوصات، ورئيس الموساد نقل مقره إلى مستشفى شيبا ويقاتل الفيروس. عندما نصحو من هلع الوباء، على هؤلاء الأشخاص أن يعودوا للانشغال بما يعتبر التهديد الأهم والأكثر حقيقية على إسرائيل. قبل عشرين سنة أملنا بأن نبقي لبنان وراءنا ولكنه لا يزال على أعتابنا.

 

x