مقال: إسرائيل والصيف ومناعة القطيع: حكومة بلا إستراتيجية شاملة وشارع بكمامة متدلية

الأحد 26 أبريل 2020 - 05:53 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: عاموس هرئيل - هآرتس

 

مرة أخرى تكتظ الشوارع، الكمامات تتدلى بأغلبها تحت الذقن هذا إذا وجدت. حتى قواعد الابتعاد الاجتماعي ظهرت في أحسن الحالات مثل توصية. الجمهور الإسرائيلي عاد بصورة جزئية إلى الحياة الروتينية. هذا حدث بتأثير الانخفاض في عدد مرضى كورونا الجدد وإعلان رؤساء جهاز الصحة عن النجاح في صد الفيروس. ما تفعله الحكومة الآن في الجلسات المتواصلة التي تبحث فيها التوصيات بتخفيف الإغلاق هو محاولة للحاق بما يجري على الأرض.

 

كالمعتاد، هذا يحدث بصورة غير منظمة. جزء من التعليمات صيغ بلغة ضبابية. البعض يناقض البعض الآخر أو انعدم فيها المنطق الحقيقي، وتطبيق الشرطة أو المشرفين ليس موحداً أو مبرراً. الحكومة تبحث عودة صالون الحلاقة ومراكز التجميل. والوزيرة ميري ريغف، كما نشرت "هآرتس"، أصرت على السماح بعلاج الليزر لإزالة الشعر. وفي الوقت الذي امتدت فيه الطوابير في "ايكيا" قامت الشرطة بملاحقة بطولية أحد المتزلجين على الماء في عمق البحر أمام شواطئ تل أبيب.

 

الجبهة الحصينة للدولة أمام السابحين والراكضين، الذين لا يعرضون حياة أحد في الفضاء المفتوح للخطر، يظل أمراً غير مفهوم. وقرار إغلاق المقابر العسكرية في يوم الذكرى ربما هو خطوة أكثر إيلاما منها، وإغلاق المدن الذي يمنع العديد من الأخوة الثكالى من الحضور ومساندة الوالدين في أصعب أيام السنة بالنسبة لهم، لا يتوافق وصور الجمهور الذي يملأ الحوانيت.

 

كل ذلك مغضب بصورة أساسية. والأخطر منه على المدى البعيد، غياب استراتيجية خروج شاملة ومبلورة. في مقال نشره مؤخرًا الملياردير بيل غيتس، الذي كان من أوائل من شخصوا الخطر الكامن في عودة الفيروسات، ركز على أداتين حاسمتين في العودة الجزئية للحياة الطبيعية: وجود فحوصات كثيرة وتقصير الفترة الزمنية لمعرفة نتائج الفحص إلى 24 ساعة، للعثور بسرعة على سلسلة العدوى. الخميس، وقعت الدولة على اتفاق مع شركة صينية قد تمكن من رفع متوسط الفحوصات إلى 30 ألف فحص يومياً، خلال أيار. الهدف الثاني يبدو حتى غير قريب من التحقق.

 

باستثناء حالات معينة فردية، تعود إسرائيل إلى سياسة الإغلاق الشامل بدلاً من العمل حسب التوزيع الجغرافي. في الأيام الأخيرة تتحدث وزارة الصحة عن مئات قليلة من المرضى الجدد يومياً. إذا كان معظمهم يتركز في بلدات محددة –لا نعرف ذلك لأن المعلومات تنشر بصورة جزئية ومتأخرة– يبدو أن العلاج يجب أن يكون أكثر عمقاً. في المقابل، لا يوجد أي سبب لعدم التخفيف على البلدات الصغيرة التي لم تظهر فيها أي إصابات.

 

في الأسابيع الأولى للأزمة، عملت القيادة الإسرائيلية استناداً إلى سيناريوهات متطرفة ومخيفة. رؤية رئيس الحكومة نتنياهو التحذيرية أدت إلى اتخاذ خطوات بعيدة المدى في مرحلة مبكرة نسبياً، التي في الحقيقة أدت إلى كبح الإصابة والوفيات.

 

الآن، إزاء الثمن الاقتصادي الضخم والشعور بالتعب في أوساط المواطنين، يتم رفع القيود. هذه خطوة ضرورية ومطلوبة. المشكلة هي أن الأمر لا يحدث بصورة منهجية بما فيه الكفاية، والتعليمات المشوشة تلاقي جمهوراً إسرائيلياً متعباً، لا يميل إلى الامتثال إلى تعليمات وتوجيهات الأمان في الوقت العادي. وسرعان ما سيكتشف خطأه من يعتقد أنه يمكن إلقاء أوامر على 8.5 مليون مواطن وكأن الأمر يتعلق بفصيل من الجنود المستجدين في الجيش الإسرائيلي.

 

أما في الجانب الإيجابي، فإن العدد القليل والثابت (حتى الآن) من المرضى في حالة خطرة والمربوطين بأجهزة التنفس يعني أن الجهاز الصحي بعيد عن مستوى عدم الكفاية "الانهيار"، والوقت الذي كسبه ساعد في رفع مستوى جاهزيته. ثمة تقديرات متفائلة، وهي حتى الآن غير مدعومة ببحث علمي راسخ بما يكفي، وتقول إن الفيروس يصيب أقل في ظروف الحرارة والرطوبة العالية، ونأمل بأن هذا هو الوضع وأن الإصابة التي تحدث في الفضاء المفتوح هي حقاً أقل بدرجة كبيرة، وإلا فإن إسرائيل قد تشهد اندلاعات أخرى في الشهر القادم.

 

       من لا تظهر عليهم الأعراض

 

اللغز الرئيسي الذي لم يحل بعد في إسرائيل أو في العالم، يتعلق بعدد المصابين الذين لا تظهر عليهم أعراض الفيروس، ودرجة كونهم معدين وبصورة محددة لتكرار الظاهرة في أوساط الأطفال الذين تنخفض لديم أعراض الإصابة مقارنة مع الكبار. في الأسبوعين الأخيرين نشرت عدة أبحاث، منها ما نشر في نيويورك وكاليفورنيا، ودلت على أن عدد المصابين قد يصل إلى عشرة أمثال أو أكثر من عدد المرضى المشخصين. في هذه الأثناء يتم توجيه انتقادات على موثوقية طريقة البحث، وتحديداً الذي أجراه باحث في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا.

 

اللغز يرتبط بصورة مباشرة مع الخلاف حول مسألة هل يمكن الوصول بصورة محسوبة ومتعمدة إلى "مناعة القطيع" من كورونا، التي تستند إلى إصابة نحو 70 في المئة من السكان. بريطانيا درست الفكرة خلال عدة أيام في آذار ولكنها تراجعت عنها خوفاً من نتائج كارثية. حكومة السويد التي لا تقوم بفرض إغلاق شديد، وتجري نوعاً من محاولة جماهيرية في مناعة القطيع حتى ولو كانت لا تعترف بذلك بصورة صريحة.

 

وثيقة صاغها مركز المعلومات الوطني لمحاربة كورونا في إسرائيل الأسبوع الماضي تنفي بشدة تطبيق هذه السياسة في إسرائيل. في صياغة الوثيقة يجب الإشارة إلى أن هناك مشاركة لأعضاء قسم الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، وهم ليسوا من المختصين بالأوبئة، لهذا قد يكون جزء من تلك القرارات التي وضعوها واسعاً للغاية بالنسبة للعلماء.

 

حسب الوثيقة "هناك ادعاء سائد يقول بأنه يجب السعي إلى الوصول إلى حصانة القطيع، وبهذا نحل المشكلة (ولكن) في النتيجة النهائية، وفي حالة إصابة واسعة سيموت في إسرائيل عشرات آلاف الأشخاص بالمرض وسيخضع مئات الآلاف للعلاج. حتى لو كانت الوفيات والإصابة ستمتد لسنة فإن العبء على الجهاز الصحي سيكون كبيراً جداً، وسيؤدي الأمر إلى وفيات كثيرة أخرى.

 

"حسب معرفتنا اليوم، نسبة الوفيات الموزونة في إجمالي السكان المصابين هي 1 في المئة. هناك عدم يقين وخلاف بين الدول، ولكن من المعقول أن النسبة النهائية في إسرائيل ستكون 0.5 – 2 في المئة. نسبة الوفيات السنوية الطبيعية في معظم دول العالم هي نحو 1 في المئة. في إسرائيل كانت نسبة الوفيات السنوية نحو 0.5 في المئة، أي 44 ألف حالة وفاة، في 2016. الوفيات المتوقعة بسبب كورونا في كل سيناريو من سيناريوهات الإصابة الواسعة، تعادل الوفيات السنوية الطبيعية، ومعناها "حشر" نسبة وفيات لسنتين في سنة واحدة”.

 

       متنياهو لا يجيب

 

في منتصف آذار حيث لا تزال أزمة كورونا في إسرائيل في مهدها، نشر بصورة متأخرة تقرير مراقب الدولة عن معالجة الأوبئة. وهذا التقرير اجتاز عملية تخفيف معينة من جانب المراقب متنياهو انغلمان، خلال ذلك، نشرت "هآرتس" أن مراقب الدولة لا يسارع إلى فتح تحقيق شامل في الوقت الحقيقي بشأن معالجة الحكومة للأزمة الجديدة.

 

في الأسبوع الماضي، أرسلت حركة "من أجل طهارة الدولة" رسالة إلى انغلمان ورئيس لجنة كورونا في الكنيست، عوفر شيلح (يوجد مستقبل)، وهو الطلب الثاني بهذا الشأن. وكما تشير الحركة فإن فحصاً واسعاً لاستعداد “ضروري من أجل استخلاص عبر جهازية لمواصلة النضال الطويل المتوقع للدولة، وبشكل خاص إزاء توقع موجة ثانية من الوباء في الشتاء القادم". انغلمان لم يرد على التوجه الأول.

 

"العديد من زملائنا قالوا لنا بأنه خسارة على الوقت الذي كرس لكتابة الرسالة، حيث مراقب الدولة ليس كسلفه، سيمتنع عن فحص المواضيع المرتبطة بمسؤولية رئيس الحكومة ولن يوجه أي انتقاد في الوقت الحقيقي حتى لو احترقت الدولة"، كتب في الرسالة الثانية. ولكن "مؤسسة الرقابة ليست عزبة خاصة ولا يمكن للمراقب تجاهل الواقع التاريخي الذي يحدث حولنا. مراقب الدولة هو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي -حسب قانون ملزم ومنظم- يمكن ويجب عليها أن تفحص جميع أجهزة الحكومة برؤية شاملة وفي الوقت الحقيقي".

 

الحركة تطالب من المراقب بأن يعطي أوامره بشأن البدء في عملية فحص فورية. إذا امتنع عن الإجابة فستحاول إلزامه بفعل ذلك عن طريق الكنيست. احتمالات ذلك لا تبدو كبيرة، لكن إزاء الانقسام وفقدان الاتجاه في المعارضة، فمن الجيد أن تحاول جهات خارجية المبادرة بخطوة كهذه.

x