مقال: هل كان للأردن صوت عربي ظاهر وآخر إسرائيلي خفيّ.. تاريخياً؟

الأربعاء 03 يونيو 2020 - 01:49 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: دان شيفتن - إسرائيل اليوم

 

إن مفتاح فهم المعضلة الأردنية في مسألة السيادة على الغور موجود في تاريخ طويل لمناورات بقاء المملكة الهاشمية.

 

يعدّ الأردن أحد النجاحات القليلة للعالم العربي، فرغم أزماته الاقتصادية المتواصلة، ورغم التوترات الداخلية البنيوية، ورغم السكان الفلسطينيين الكثيرين والوزن البارز لـ"الإخوان المسلمين"، فقد ضمن لسكانه مئة سنة من الاستقرار النسبي. ونجح -رغم أنه أقيم بشكل مصطنع- دون مقدرات اقتصادية، عالق بين جيران معادين وعنيفين في معظمهم عموماً، وعلى اتصال لعين بالمسألة الفلسطينية، التي تهدده من الداخل والخارج. هذا الاستقرار النسبي كان بفضل المؤسسة الهاشمية. ومن بين كل حكام المنطقة، هو الوحيد الذي ينتهج منذ أجيال، بثبات وبشجاعة، سياسة مسؤولة في إطار اضطرارات شبه متعذرة.

 

الاضطرار الأصعب منها جميعاً ينطوي على توتر بين مسؤولية السلالة الهاشمية والتطرف الهدام الذي يجلب خراباً متواصلاً على المجتمعات العربية في المنطقة، منذ نالت استقلالها. وتضرب جذوره عميقاً في الهذيانات الكبرى التي أدمنها الجمهور السياسي العربي، وفي عدم استعداد المجتمع العربي لأن يتكرس لمشروع بناء داخلي يضمن مكانه في العالم الحديث. يعتقد الصينيون هم أيضاً بأنهم معدون للعظمة، وهم يعملون منذ أجيال بكد كي يتيحوا لأنفسهم الإنجازات والصدارة.
أما الراديكالون العرب فمقتنعون بأن المكانة الرائدة في المنطقة والعالم سحبت منهم بمؤامرات ظلامية، وهي تقبع لهم في خليط بين عنف منفلت العقال وحماسة عديمة الغطاء.

 

على هذه الخلفية، حظي بالدعم الجماهيري تنوع من الزعماء العرب المثيرين للحماية، بل وأحياناً الشفقة، من جمال عبد الناصر في أحد القطبين، عبر صدام حسين، وسلالة الأسد، وحتى معمر القذافي، وعرفات داعش في القطب الثاني. معظم الجمهور العربي العام (في عهد ناصر) وكثيرون في أوساطه، بما في ذلك قسم مهم من مواطني المملكة نفسها، اتهموا القيادة الهاشمية بالخيانة، لأنها لم تلتحق بالمغامرات لهؤلاء. ولأجل تثبيت شرعية النظام في نظر هذا الجمهور الحماسي، كان الملك مضطراً لأن يتظاهر كمؤيد لشعاراته البائسة. إن قصة المملكة السياسية هي وليدة المناورات بين هذا التظاهر والزعامة المسؤولة التي يريد الأردن أن يقيمها.

 

تعكس علاقات إسرائيل–الأردن هذا التوتر؛ فالأمير عبد الله أقام مع إسرائيل علاقات قريبة منذ عهد الانتداب. وفي 1948 استخدم الملك ظاهراً فقط جيشه في إطار الخطة العربية العامة لتصفية إسرائيل، أما عملياً فقد سعى -بموافقة هادئة من بن غوريون- للسيطرة على ما سمي لاحقاً "الضفة الغربية". ومع أن الجيش العربي اصطدم بالجيش الإسرائيلي في محاولة لمنع الاتصال بالسهل الساحلي، فإن إسرائيل وشرقي الأردن اتفقتا عملياً، في القدس نفسها، على تقسيم المدينة بينهما منعاً لتدويلها. وظاهراً، قاتل عبد الله كي "يحرر فلسطين"؛ أما عملياً فقد كانت إسرائيل شريكته، بينما الحركة الوطنية الفلسطينية ومصر عدوتاه.

 

لولا الضغوط العربية العامة وتأثير النخبة الأردنية لأقامت إسرائيل والأردن السلام منذ 1949. في الخمسينيات والستينيات اضطر حفيده الحسين لأن يناور بين المصلحة المشتركة لإسرائيل والأردن في مكافحة ناصر والفلسطينيين (بقيادة أحمد الشقيري)، وبين حاجة الملك لأن يتظاهر كشريك لهم في الكفاح ضد إسرائيل، في الوقت الذي أدمن فيه الجمهور في الأردن نفسه على هذيانات ناصر. مناورات الحسين أتاحت بقاءه حتى صيف 1967، حين اضطر للخضوع لناصر والانضمام إلى الحرب.

 

بعد حرب الأيام الستة لم يكن ممكناً تحقيق تسوية بين إسرائيل والأردن، التي كانت ستعيد إلى الحسين الغالبية الساحقة من الضفة الغربية، لأن السلام حتى بمبادرة السادات كان متعذراً مع إسرائيل، ولو مقابل كل الأرض. منذ منتصف السبعينيات ثبتت م.ت.ف مكانتها في العالم العربي والساحة الدولية بقدر ما، بحيث ما كان يمكن للأردن حتى بعد مبادرة السادات أن يستعيد سيادته هناك. في العقد التالي اعترف النظام الهاشمي بالحاجة إلى سحب يديه من المطالبة بالعودة إلى الضفة كي يفك ارتباطه عن التهديد الفلسطيني على مكانته في بيته داخلياً في الضفة الشرقية.

 

ومنذ ذلك الحين، كان الملك معنياً بإسرائيل قوية، تتصدى للحركة الوطنية الفلسطينية، وتبعد تهديداتها عن مملكته: بمواظبة السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وبمنع قيام دولة فلسطينية سيادية حقاً وبفاصل إسرائيلي في غور الأردن. وهو يناور في التوتر الذي بين الحاجة الاستراتيجية لكل هذا، وبين الاضطرار السياسي لأن يقول هذا الأمر المعاكس تماماً بصوت عال.

x