مقال: بعد مهزلة "المنامة" وزواج القرود: هل نقول شكراً لمحمود عباس على إيقافه خطة ترامب؟

الأربعاء 17 يونيو 2020 - 11:59 صباحاً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: عودة بشارات - هآرتس 

 

في أيلول 1939، بعد احتلال هتلر لبولندا، أعلن في الرايخستاغ بأن "يجب منع الحرب في الغرب لأن بولندا الآن لم تعد دولة موجودة، وبهذا فإن السبب الرئيسي لإعلان فرنسا وبريطانيا الحرب، ومهاجمة ألمانيا لبولندا، لم يعد موجوداً". وقال غبلس عن هذا الخطاب "تحفة دبلوماسية" (اقتباس كتاب بيتر لونغرايخ "غبلس، السيرة الذاتية لقاتل بالكلمات").

 

الآن وبعد نحو ثمانين سنة، يتبنى الرئيس دونالد ترامب أسلوباً مشابهاً. فبعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أعلن بأن مشكلة القدس، التي هي نقطة الخلاف الرئيسية في الصراع، أزيحت عن الطاولة. وكان هناك من استمتعوا بأداء هذا الساحر الذي ينهي المشاكل برمشة عين. والآن يريد إخفاء المشكلة الفلسطينية من قائمة مشاكل الكون. هل تريدون دولة فلسطينية؟ ستكون دولة فلسطينية، ولكن مثل لعبة البلاستيك. وفي المساء، سيقوم السيد الإسرائيلي بطيّها وتخزينها في علبة كرتون.

 

يقال في أرجاء العالم إن ترامب شخص مجنون. والجمهور الأمريكي، بمن فيهم الذين صوتوا له، يعتبره تجسيداً للشر والغباء والغطرسة. وهنا؟ هنا يسجدون له وينظرون إليه بخوف مقدس بسبب الشرعية التي يمنحها للاحتلال والضم؛ ومحظور إغضابه.

 

الفرضية السائدة في إسرائيل هي أنه كلما زاد قمع الفلسطينيين يتحسن وضع اليهود، ولا توجد فرضية خاطئة أكثر من ذلك. فبدون تحقيق العدالة النسبية وليست المطلقة، فسيصبح الصراع أكثر عنفاً وتدميراً. للوهلة الأولى ربما يظهر الاضطهاد مجدياً في نظر المضطهد، لكن لن يمر وقت طويل حتى تتعقد الأمور؛ لأن عدم العدل يعارض الطبيعة البشرية.

 

يعدّ العائق الأساسي أمام خطة ترامب في هذه الأثناء هو محمود عباس، الذي صفته الرسمية هي رئيس السلطة، وصفته الفعلية هي السجين رقم واحد في السجن الإسرائيلي الكبير. (السعودية وأمثالها) يهددون بإغلاق الصنبور. والإسرائيليون يهددون بضم المزيد من الأراضي القليلة التي بقيت. والأمريكيون قطعوا في السابق دعم الأونروا والمستشفيات الفلسطينية. وحتى الأخيار من بين اليهود والعرب يتوسلون إليه كي يلين أكثر قليلاً، حيث يجب أن يلعبها. لكنه يصمم على موقفه.

 

من الجدير التذكر بأن العالم حبس أنفاسه عام 2016 إزاء إعلان ترامب عن صفقة القرن. وظهر هذا من بعيد وكأنه تسونامي أموال سيغرق المنطقة. وليس غير الغبي هو الذي يرفض المشاركة في حفلة المليارات هذه. محللون بليدون قالوا إن الفلسطيني العادي يحتاج إلى المال وليس الكرامة. ومن الجدير التذكر أيضاً بأن محمود عباس قفز على هذه الفرصة وأظهر التعاون حتى اللحظة الأخيرة مع الوسطاء الأمريكيين. ربما قال بينه وبين نفسه، ربما يخرج شيء ما -مع كل ذلك- من هذا الشخص الغريب الذي يريد تحطيم الأدوات. ولكن هذا "الشيء ما" الأول الذي خرج هو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والباقي أصبح تاريخاً.

 

يتبين أن عباس الذي عارض انتفاضة مسلحة وأراد إدارة نضال شعبي غير عنيف، ليس صوصاً ذا ريش ينتظر الإنبات، مثلما وصفه اريئيل شارون، بل شخص عنيد جداً. إن هذا الشخص، الذي يحتاج إلى مصادقة من موظف صغير في الحكم العسكري كي يستطيع الخروج من المقاطعة، يساوي في قوته الرئيس الأمريكي القادر على كل شيء. عندما تم عقد المؤتمر الاقتصادي في المنامة بالبحرين، ووحده العريس عباس لم يشارك، تحول هذا المؤتمر وكل النبلاء الذين شاركوا فيه إلى مهزلة أحرجت العالم العربي أيضاً.

 

الفلسطينيون الذين جربوا وعود العالم العربي وإسرائيل والأمريكيين يقولون: "من يتزوج القرد لماله، يروح المال ويبقى والقرد على حاله". وحتى من ترامب لا يرون المال. والجمهور الإسرائيلي سيشكر محمود عباس لأنه حرره من أوهام المجنون الأمريكي وأجبره على مواجهة الواقع.

x