مقال: هل تفوّت إسرائيل أحد إنجازاتها الإستراتيجية في مواجهة التهديد الإيراني؟

الأربعاء 24 يونيو 2020 - 12:17 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: فريق المعهد برئاسة اللواء احتياط عاموس جلعاد - معهد السياسة والإستراتيجية IPS 

 

فضلاً عن المخاطر المستقبلية، السياسية والأمنية، التي ينطوي عليها تنفيذ الضم في الضفة الغربية وفي غور الأردن، فإن التركيز المطلق لإسرائيل على الخطوة تمس منذ الآن بقدرتها على التصدي والصد لتهديدات قائمة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني المتسع.

 

يعكس التركيز على الضم، عملياً، اختياراً من جهة رئيس الحكومة للتخلي، في توقيت حرج، عن الوقوف في جبهة الكفاح العالمي ضد التهديد الإيراني.. سياسة كانت شمعة تضيء خطى إسرائيل في العقود الأخيرة.

 

لقد أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الآونة الأخيرة بأن إيران زادت منذ شباط نحو 50 في المئة من مخزون اليورانيوم بالتخصيب المنخفض الذي في حوزتها، والذي يبلغ اليوم 1.571 كيلوغراماً. إذا ما قررت إيران، في السيناريو المتطرف، اقتحام قدرة نووية عسكرية، فهذه الكمية تسمح لها بأن تنتج مادة مشعة لقنبلة نووية في غضون عدة أشهر.

 

بالتوازي، تعرب الوكالة عن قلق عميق لعدم تعاون إيران مع الوكالة في الأشهر الأخيرة، وتخفي أدلة وترفض الإجابة عن أسئلة حول النشاطات المرتبطة بالسلاح النووي التي نفذتها في بداية سنوات الألفين في ثلاثة مواقع مشبوهة، وتمنع الدخول إلى اثنين منها. فضلاً عن ذلك، ورغم الخروقات الفظة والمنهاجية من جانب إيران لقرارات مجلس الأمن التي تحظر عليها تصدير السلاح والقدرات العسكرية، سينتهي بعد أربعة أشهر مفعول حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة عليها. تعمل الولايات المتحدة على تمديده، ولكنها علقت في عزلة في هذه المسألة. رفع الحظر سيشجع روسيا على تزويد إيران بأسلحة متطورة، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي التي ستمنح إيران إحساساً بالحصانة وتشجعها على مواصلة تسريع المشروع النووي.

 

بشكل استثنائي، يكاد صوت إسرائيل لا يسمع في الساحة الدولية في سلسلة التحديات هذه، وهي لا تخرج بقوة ضد التهديد الأخطر عليها. الصمت في المسألة الإيرانية "صاخب" على نحو خاص في ضوء حقيقة أن إسرائيل بوضع الضم على رأس سلم أولوياتها، كانت بقيادة رئيس الحكومة نتنياهو هي "المحرك" الذي يدفع الساحة الدولية نحو خط متشدد ضد التهديد الإيراني. وذلك من خلال منظومات دبلوماسية وإعلامية، وكشف استخباري بل وتهديدات خفية بهذا القدر أو ذاك.

 

إن التحدي متعدد الأبعاد الذي تشكله إيران، وأولاً وقبل كل شيء في المجال النووي، كبير ومعقد. وفي وسائل منعه تحتاج إسرائيل إلى تجند العالم. ولكن بدلاً من هذا، فإن سياستها الحالية "تجذب النار" وتحرف الإنصات الدولي، المحدود على أي حال في ظل أزمة كورونا، عن التهديد الإيراني. وهكذا، بدلاً من تجنيد العالم لوقف البرنامج النووي لنظام طهران، فإن إسرائيل تجبر حلفاءها على استثمار طاقة وجهود كبيرة بالذات في محاولة لإحباط خطة الضم، في ظل تصعيد ميلها للاعتراف بدولة فلسطينية في حدود 67.

 

لقد انكشفت هذه المشكلة بشكل واضح في سلوكها حول زيارة وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، إلى البلاد. فألمانيا من أكبر أصدقاء إسرائيل، ولاعبة مهمة في كل ما يتعلق بمعالجة مشكلة النووي الإيراني. لقد كانت ألمانيا هي الدولة الوحيدة التي انضمت إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن في خوض المفاوضات مع طهران على الاتفاق النووي، وتوشك على أن تصبح الرئيس الدوري لمجلس الاتحاد الأوروبي.

 

في الأيام العادية، كاد الموضوع الإيراني يقف على رأس جدول أعمال الزيارة، ولكن هذه الزيارة في الواقع الحالي جاءت كجزء من الجهود الألمانية لحمل إسرائيل على الامتناع عن خطوة الضم، بل تحولت إلى خلاف دبلوماسي مع برلين على خلفية قرار إسرائيل منع ماس من زيارة رام الله. لقد حذر ماس إسرائيل من أن ألمانيا لن تتمكن من منع إجراءات العقوبات ضدها في أوروبا، وتعزز فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في القارة كرد على الضم لدرجة تنفيذ بضع دول لها.

 

فضلاً عن ذلك، فإن دول الخليج أيضاً، التي كان التهديد المشترك من جانب إيران هو المحرك المركزي لتحسين علاقاتها مع إسرائيل وللتعاون الهادئ معها.. ها هي تعيد احتساب خطواتها على خلفية الضم. لقد تلقت إسرائيل هذا الأسبوع إنذاراً استراتيجياً في شكل خطوة مغطاة إعلامياً بادرت إليها دولة اتحاد الإمارات. فقد توجهت أبو ظبي مباشرة إلى الإسرائيليين، من خلال سفيرها في واشنطن، يوسف العتيبة، بنشره مقالاً في "يديعوت أحرونوت"، حذر فيه أن الضم سيمس باستقرار المنطقة كلها ويقلب ميل تقرب الدول العربية من إسرائيل رأساً على عقب.

 

في السطر الأخير، لا يمكن لإسرائيل "أن ترقص في عرسين": تضم، وتتصدى للتحدي الإيراني في آن واحد. في الظروف الناشئة، واضح أن إسرائيل اختارت الضم. وهي خطوة تنتج من العدم تحديات إستراتيجية زائدة على أمننا القومي، وفي الوقت نفسه تمنعنا من التركيز على التهديدات الملموسة المتصاعدة من جانب إيران. باختيارها الضم ستفوّت إسرائيل أحد إنجازاتها الاستراتيجية المركزية في مواجهة التهديد الإيراني على مدى السنين- جعله مشكلة دولية وليست إسرائيلية فقط.

x