مقال: بين طرفي السلام والاحتلال: هكذا تقف إسرائيل عاجزة أمام ما تريده من غزة

الأحد 28 يونيو 2020 - 02:16 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

بقلم: يوآف ليمور - إسرائيل اليوم 


إن الجدال الذي يجري في إسرائيل في الـ 15 سنة الأخيرة حول ما إذا ساهم فك الارتباط عن غزة لمصلحة إسرائيل أم مس بها، هو جدال داخلي في أساسه. فيكاد كل من شارك فيه يحتفظ بالموقف ذاته الذي كان من قبل أن يبدأ إخلاء قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع، ويجري النقاش في ظل غمز صريح لما يجري في الضفة الغربية.

 

فمعارضو الانسحاب مقتنعون بأنه أضعف إسرائيل: إن الإخلاء أحادي الجانب علمنا بأن إسرائيل تستسلم للضغط والإرهاب. وبمزيد من هذا قليلاً، فإذا بها تستسلم في جبهات أخرى أيضاً. أما مؤيدو الانسحاب فمقتنعون بأنه عزز قوات إسرائيل: فبدلاً من استثمار قوات زائدة في مهام عديمة الاحتمال، تقاتل على ما هو حيوي.

 

هؤلاء وأولئك محقون ومخطئون. وكما أسلفنا، كل شيء هنا سياسي داخلي. من يؤمن بأن على اليهود أن يستوطنوا في كل نقطة في إسرائيل لن يفهم المنطق الذي في فك الارتباط. ومن رأى في القطاع عبئاً سياسياً وأمنياً لن يفهم أبداً ماذا يمكن لأقل من 10 آلاف إسرائيلي أن يبحثوا عنه في أوساط نحو 2 مليون فلسطيني.

 

الانسحاب اعتبر هروباً

إن محاولة النظر إلى الأمور بشكل موضوعي، قدر الإمكان، تقدم الصورة التالية: دون التطرق إلى القرار نفسه، الذي كان سياسياً داخليا، فقد نفذ فك الارتباط بشكل إشكالي. ولا يقتصر الأمر على تلك الخطوة العملية لإخلاء المدنيين من بيوتهم على يد قوات الجيش الإسرائيلي وعلى المعالجة الفاشلة لمن أخلوا، بل على القرار نفسه بانسحاب من طرف واحد. بالضبط مثلما حصل قبل خمس سنوات من ذلك في لبنان، اعتبر الانسحاب هروباً: والأسوأ من ذلك، بدلاً من تعزيز حلفائها في السلطة الفلسطينية من خلال نقل الأراضي وطرح مطالب بالمقابل، سلمت إسرائيل الأرض مجاناً، حينئذ لم تحصل على شيء، بل حصلت بالمقابل على حماس. صحيح أن حماس استغلت الحرية التي أعطيت لها لتعاظم متسارع للقوى، ولكن لم يكن فك الارتباط هو المذنب الوحيد في ذلك. فالصواريخ الأولى أطلقت من القطاع منذ بداية 2001؛ والاختراق في إنتاجها أتيح على خلفية الضخ شبه الحر للخبراء والوسائل القتالية من سيناء إلى القطاع، والذي جرى حتى عندما كان الجيش يسيطر في محور فيلادلفيا (الذي كان أيضاً منبت الأنفاق). صحيح أنه تسارع بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، ولكن يحتمل أنه تواصل في كل الأحوال.

 

ولكن تعزّز قوة حماس العسكرية هو جانب واحد من الموضوع. بالتوازي، فقد أصبحت حماس صاحبة السيادة في غزة ومسؤولة عن الحياة اليومية وعن رفاه السكان. ومع الصلاحيات تأتي المسؤوليات: عن المياه، والكهرباء، والمجاري، والصحة، والتشغيل. في واقع غزة –المنطقة الأكثر اكتظاظاً في العالم– يعدّ هذا عبئاً ثقيلاً، تحول بالنسبة إلى حماس من ذخر إلى عبء. إذا كان قادة حماس اعتقدوا في الماضي بأن قوتهم العسكرية ستحمي القطاع، فمن شأنها في المستقبل أن تجلب عليه الخراب. وهذا أيضاً هو السبب الذي جعل حماس تخشى منذ نهاية حملة "الجرف الصامد" من الخروج إلى معركة أخرى.

 

ولكن إسرائيل ليست معفية من الإخفاقات في عصر ما بعد فك الارتباط. فالالتزام الفوري بأن كل خرق للسيادة من غزة سيصطدم برد قاس، سرعان ما تبين ككلمات فارغة؛ وحتى اختطاف جلعاد شاليط انتهى – بعد سنوات – بثمن صفقة أسرى موضع خلاف، شجعت مزيداً من الاختطاف. حرية العمل العسكري – السياسي – القانوني التي وفرها فك الارتباط بمجرد انسحاب إسرائيل إلى خط الحدود الدولية، استغل لتحقيق ردع جزئي فقط.

 

لم تتحسن السياسة الإسرائيلية منذئذ. وعملياً، لم تحدد إسرائيل لنفسها أبداً بشكل رسمي ما الذي تريده من غزة. على الطيف الذي بين السلام والتعايش (المثالي) من جهة والاحتلال من الجهة الأخرى، كل جواب يفوز. فالحلول التي أعطيناها كانت دوماً موضعية وتكتيكية؛ لم تجر قط محاولة حقيقية لتحديد المصالح الإسرائيلية في غزة والتطلع إلى تحقيقها.

 

وسام بطولة للمستوطنين ولسكان الغلاف. النتيجة عملياً هي أن إسرائيل ساهمت في إبعاد السلطة الفلسطينية عن غزة، وضمنياً في تعزيز قوة حماس، ولم تتطلع أيضاً للوصول إلى تسوية أو حسم حيال حماس. وحتى عندما عملت قيدت نفسها أكثر، وكانت النتيجة دوماً جزئية وحامضة؛ فبغياب السياسة، لا يوجد ما يدعو إلى الافتراض بأنها عمل مستقبلي سينتهي بشكل مختلف.

 

إذا كان هناك بصيصا نور ساطعان، فهما على المستوى المدني. الأول في جمهور المستوطنين الذين أخلوا القطاع وتصرفوا رغم الشرخ بحكمة ومنطق، وامتنعوا عن العنف وأعادوا بناء حياتهم. والثاني هو بلدات غلاف غزة؛ فبغياب المستوطنات داخل القطاع، أصبح الغلاف خط الجبهة، وسكانه هم الحائط الحديدي الذي يثبت منذ 15 سنة بأن فك الارتباط لم يبدأ في جدار القطاع بل انتهى فيه.        

x