مقال: إسرائيل وأزمة كورونا..عدوى 60 بالمئة والاضمحلال الوبائي

الأربعاء 22 يوليو 2020 - 09:48 صباحاً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

أودي كيمرون، بروفيسور رئيس دائرة الميكروبولوجيا والمناعة في كلية الطب في جامعة تل أبيب.

اوري جبيش، فيزيائي خبير في تشخيص الأمراض ومستشار في البيولوجيا الطبية

ايال شاحر، بروفيسور خبير في الأوبئة في جامعة اريزونا

مايكل لويت، بروفيسور من جامعة ستانفورد، بيولوجي حسابي وبنيوي وحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء 2013 - هآرتس

 

في آذار من هذا العام درست بريطانيا بجدية احتمالية الامتناع عن فرض إغلاق، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة بعد أن توقعت نماذج رياضية عرضها البروفيسور فرجوسون أمام زعمائها سيناريوهات كابوسية خاطئة. كما عرضت هذه النماذج أيضاً أمام السويد وتنبأت أن عدد الموتى هناك سيصل حتى حزيران لحوالي 100 ألف إذا واصلت سياستها في إبقاء المجتمع مفتوحاً ونشطاً والامتناع عن فرض الإغلاق. رفضت السويد هذه النماذج وتبنتها بشجاعة، ولكن كما اعترفت فيما بعد، مع إخفاقات محددة وسياسة ديمقراطية تسمح بمواصلة الحياة في الدولة كالمعتاد.

 

رغم بيوت الآباء الكبيرة هناك، ورغم ضعف الحماية في بداية الوباء، وفي خلاف تام لتوقع حلول نهاية العالم، فقد مات في الدولة حوالي 6% من العدد المتوقع، أي حوالي 6000 شخص، البالغ متوسط أعمارهم فوق 81 عاماً، نصفهم من المقيمين في بيوت المسنين ومتوسط أعمارهم المتوقع ليس طويلاً (متوسط حوالي 9 أشهر من لحظة الانتقال من دار الرعاية). في حالة تبني سياسة مشابهة في إسرائيل، فهذا الرقم سيرفع الحد الأعلى لحوالي 3000 حالة في البلاد، لأن كبار السن في السويد أكبر من ضعف حجمهم في إسرائيل. من أجل المقارنة، يموت في إسرائيل كل عام أكثر من 4 آلاف شخص بالتهاب الرئة، أي في المتوسط أكثر من 10 أشخاص كل يوم.

 

لم يتطلب الوصول إلى تشبع لانتشار الفيروس في السويد استيفاء المتطلبات الشهيرة (والمغلوطة) لإصابة 60% من السكان بالفيروس، وهي نفس "مناعة القطيع" المشهورة. كيف حدث هذا؟

 

خلافاً للاعتقاد الشائع، لم تستهدف السياسة السويدية التسبب بإصابة أكبر عدد من الناس بكورونا، بل كان هدفها وما زال السماح بحياة طبيعية، مع توصية للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة باتباع وسائل حذر وإعطاء إمكانية للأشخاص غير المعرضين للخطر للانكشاف على الفيروس، وهكذا يمنهم تطوير وسائل وقائية ضده. نفس تلك الطبقة من الناس التي تحصنت، والتي تعد أقل من 20% من السكان، استكملت المناعة الطبيعية الموجودة أصلاً في السكان ضد الفيروس، وبهذا أدت إلى تقليل انتشاره.

 

الوضع الفريد لإسرائيل يسمح بتبني سياسة جيدة وأفضل بكثير من سياسة السويد وباقي دول العالم، بحيث تمكن من الخروج السريع من الأزمة وتقلل عدد الضحايا، وسنفصل ذلك لاحقاً.

 

هنالك ادعاءات خاطئة تطرح ضد إعطاء الفرصة للسكان غير المعرضين للخطر للانكشاف على الفيروس.

 

الادعاء الأول ضد هذه السياسة أن الإصابة بالفيروس لا يسبب المناعة ضده لفترة طويلة، ولهذا ليس بالإمكان تطوير مناعة على هذا الأساس، وثمة ادعاء ثان استند إلى الاعتقاد للوصول إلى اضمحلال الوباء، على 60% من السكان أن يصابوا بالفيروس.. وهذه نسبة مصابين غير محتملة. ادعاء ثالث هو أن عدد الموتى باتباع سياسة كهذه هو أعلى من البديل المرتبط بفرض قيود على النشاطات على الاقتصاد ورفعها بما يشبه (الأوكورديون) حسب وضع الإصابة.

 

نرفض هذه الادعاءات الثلاثة بصورة قاطعة، لأن الدلائل العلمية تثبت عكس ذلك تماماً. مصدر هذه الادعاءات يكمن في رؤيا خاطئة، وأولئك الذين وضعوا هذه الرؤيا يواصلون التمسك بها وقيادة عدد كبير من الدول للضياع.

 

                الإصابة بالفيروس تكسب المناعة، والمناعة تستمر لفترة طويلة

الادعاء الأول بأن الإصابة بالفيروس لا تكسب المناعة ضده لفترة زمنية طويلة مصدرها في روايات مختلقة حول أشخاص أصيبوا مرة ثانية بالمرض. عشرات الحالات من الإصابة من جديد اكتشفت في كوريا الجنوبية قبل عدة أشهر وأثارت ذعراً إعلامياً كبيراً، خفتت الضجة مع صفارات الإنذار الصامتة المهدئة عندما أدركوا أن جميع حالات إعادة العدوى لم تكن صحيحة ونابعة من أخطاء فحص. من بين أكثر من 14 مليون حالة إصابة مؤكدة بالفيروس، تقريباً، لا نعرف عن حالات من إصابة متكررة. كما يبدو، الحالات المنفردة التي يبلغون عنها ناتجة عن خطأ إحصائي للفحص، والذي يكشف إصابات خاطئة في الفحص الأولي. إن حقيقة عدم اكتشاف إصابات متكررة بالرغم من عدد المصابين العالي، يدل بصورة قاطعة على أن هنالك مناعة فعالة على الأقل لثمانية أشهر بعد الإصابة (وهي الفترة التي انقضت منذ انتشار الوباء). لا نرى أن ثمة إمكانية للافتراض بأن هذه المناعة سوف تضمحل بسرعة، حيث إن طبيعة المناعة في معظم الحالات أنها تبقى طوال سنوات، وليس هنالك سبب لكي نخمن -وبالتحديد في حالتنا هذه- بأنها سوف تنتهي.

 

            ليس هنالك حاجة إلى عدوى واسعة للوصول إلى مرحلة الاضمحلال الوبائي

الادعاء الثاني الذي يقول إن اضمحلال الوباء يتم التوصل له بعد أن يصاب 60% من السكان بالفيروس ويطورون مناعة، يرتكز على حساب رياضي خاطئ، ويفترض افتراضين رئيسين: الأول أن مستوى الاختلاط متشابه لكل شخص مع باقي السكان؛ الثاني هو أن فيروس كورونا جديد تماماً، ولذلك، ليست هنالك مناعة ضده، وكل تعرض له سيقود إلى إصابة.

 

مؤخراً، نُشر في Science – وهي أحد المجلات العلمية الرائدة في العالم- مقال يظهر بصورة رياضية إلى أي درجة تكون عتبة الـ 60% أمراً لا أساس له من الصحة. يشرح الباحثون الحقيقة الواضحة بذاتها بأن الناس في المجتمع لا يشبه أحدهم الآخر، وكمية الاختلاط بينهم ليست متشابهة، هكذا مثلاً موظف الصندوق أو سائق التكسي يلتقون بأشخاص كثيرين أكثر من شخص متقاعد عادي، لأن الأشخاص الذين لديهم اتصالات اجتماعية عديدة يعتبرون جهات رئيسية في نقل الفيروس، إذ أن مناعتهم تساهم في وقف تفشي الفيروس أكثر من أشخاص يقللون من الاتصال مع أشخاص آخرين. هؤلاء الأشخاص في الواقع يصابون ويكتسبون مناعة بسرعة أكثر من الأشخاص ذوي المناعات المنخفضة. ولذلك، فإن تفشي الفيروس يصل إلى حالة التشبع عند رقم أقل بكثير من ذلك الرقم المستند إلى الافتراض الخاطئ لتشابه الاتصالات الاجتماعية.

 

المعطى الأهم الذي يدحض الرؤية السائدة والخاطئة القائلة بأننا بحاجة إلى 60% من المصابين هو، حقيقة، أن لفيروس كورونا أقارب عائلة منحوا جزءاً كبيراً من السكان مناعة منها، حتى قبل التعرض للفيروس نفسه. قبل أشهر معدودة، كتب عدد منا حول ماهية هذه المناعة وعن الدلائل العددية التي أشارت إلى وجودها. بعد حوالي شهر من ذلك، نشرت مجموعة باحثين دلائل علمية في cell وهي إحدى المجلات رفيعة المستوى في العلوم الحياتية، والتي تعزز التقدير بأنه في وسط الـ 60% من الناس في كاليفورنيا والذين لم يتعرضوا يوماً للفيروس، ثمة خلايا ذاكرة مناعية تتعرف على الفيروس، وكما يبدو قادرة على منح مناعة ضده.

 

                يجب دراسة بديل الإغلاق والقيود باهتمام

يمكن التخمين بأنه يجري فحص إدارة الأزمة والتحقيق في الإخفاقات في المستقبل غير البعيد في ضوء الوضع الصحي والغضب الجماهيري بسبب الوضع الاقتصادي، وفي ضوء أن كثيرين فقدوا مصدر رزقهم واحترامهم ومستقبلهم. فالفقر سبب وفيات أخطر بكثير من كورونا، ويضر بالأطفال مثلما يضر بالبالغين. سيكون أحد الأسئلة المهمة التي ستطرح: هل درست القيادة، بجدية في يوم ما، بديلاً مناسباً لحل الأزمة الصحية، بحيث لا تضر بحياة البشر ولا تدمر الاقتصاد؟

 

              الانتظار ومحاولة السيطرة على الوباء ستأخذ ثمناً باهظاً متمثلاً بحياة البشر

الادعاء الثالث بأن رفع القيود سيؤدي إلى وفيات أعلى من سياسة الإغلاقات والقيود هو ادعاء خاطئ أيضاً. الفيروس يتفشى في السكان إلى أن يصاب عدد كاف من الناس ويكتسبون المناعة، أو إلى أن يتم العثور على لقاح. الإغلاقات والقيود لا تجدي سوى إبطاء انتشاره، ولكن لا تقلل عدد المصابين الإجمالي أو عدد الوفيات الشامل. إذا كان هنالك خطر من قصور النظام الصحي فثم إمكانية لتسطيح المنحنى لتخفيف معدل الإصابة. في غياب خوف كهذا، فإن تسطيح المنحنى يمكنه فقط أن يضر، حيث إن الإصابة ستعود في اللحظة التي ترفع فيها القيود. علاوة على ذلك، فإن المحافظة على السكان الذين يهددهم الخطر يظل أمراً ممكناً لفترة زمنية محددة. وكلما طال الوقت يصبح من الأكثر صعوبة منع تعرضهم للفيروس. لهذا، وبصورة متناقضة، من شأن الإغلاقات والقيود التي تعيق بناء الطبقة المنيعة المطلوبة لوقف الفيروس، أن تتسبب بوفيات زائدة على المدى الطويل. وثمة سبب آخر للإلحاح في تغيير السياسة؛ إذ يبدو أن معدل وفيات هذا المرض في هذا الصيف بإسرائيل أقل بعدة مرات منه في الشتاء، حتى عندنا نأخذ بالحسبان الزيادة في عدد الفحوصات.

 

على ضوء شروط الافتتاح الممتازة لإسرائيل، فهي تستطيع أن تتبع الآن سياسة تحافظ على المجموعة السكانية المعرضة للخطر مع السعي لاستكمال الطبقة المنيعة المطلوبة لوقف الفيروس قبل وقت طويل من الوصول إلى نسبة الـ 60%، وهكذا نخرج من الأزمة في الأشهر القريبة حتى قبل أن يأتي الشتاء، مع إعطاء مثال ونموذج للعالم في معالجة تفشي فيروس كورونا.

x