مقال: لدرء سيناريو 2006.. هل أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر تضمن انسحاباً آمناً لخلية "حزب الله"؟

السبت 01 أغسطس 2020 - 12:57 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: ناحوم برنياع - يديعوت

 

وضع رئيس الأركان ثلاثة أهداف استراتيجية لعمل الجيش الإسرائيلي في الشمال، هي: وقف التموضع الإيراني في سوريا؛ ومنع نصب صواريخ دقيقة في لبنان؛ وردع حزب الله عن العمل داخل أراضي إسرائيل. قصة خلية حزب الله، التي تسلقت "هار دوف"، أطلت ولم تصب بأذى، تندرج في إطار اللاءات الثلاثة لأفيف كوخافي. القصة عسكرية في أساسها، ولها ذيل سياسي.

 

وصلت الخلية إلى سفوح "هار دوف" وبدأت تتسلق أعالي الجبل. رويداً رويداً، من زرع إلى زرع، من صخرة إلى صخرة، بمهنية مقاتلي الكوماندو. خطوة جريئة من جهة وغبية من جهة أخرى. نقطة الرقابة عثرت على الخلية بينما كانت لا تزال في بداية الطريق. منطقة صعبة، منحدرة، صخرة، ثمة في الجيش الإسرائيلي من يقدر بأن للخلية احتمالاً للوصول دون أن تكتشف، ولكن اليقظة والتأهب في الأيام الأخيرة أديا إلى تشخيص الخلية. مهما يكن من أمر، أتاح التقدير الاستراتيجي للجيش الإسرائيلي وفرة من الوقت لإعداد الذات والوصول إلى القرارات.

 

كان الهدف استحكام غالديولا في أعالي الجبل. وكانت النية لقتل بضعة جنود والفرار. وحسب التقدير الإسرائيلي، اعتقد نصر الله بأن إسرائيل ستحتوي قتل جندي أو اثنين. وقد ترد بعملية من جانبها، ولكنها لن تفتح حرباً مع لبنان. في 2006 لم يكن نصر الله يريد الحرب ولا إسرائيل. وجرّ اختطاف وقتل جنديين الطرفين إلى حرب طويلة كانت مصيبة عليهما. أول أمس، كان قد راهن مرة أخرى.

 

في منطقة "هار دوف" لا يوجد سياج فاصل. الخط الأزرق – خط الحدود الذي رسمته الأمم المتحدة – مرسوم على الأرض ببراميل بيضاء. ولما كان التقدير الاستخباري سمح للجيش الإسرائيلي بوقت كاف لتنظيم ذاته واتخاذ القرارات، كانت نهاية الاشتباك معروفة مسبقاً. الحدث يشبه الصيد، وليس المعركة.

 

اجتازت الخلية الخط الأزرق، وفي النقطة الأكثر راحة للقوات، على مسافة بضعة أمتار داخل الأرض الإسرائيلية، اصطدمت بنار من عدة مصادر، وتحديداً الاستحكام والقوة التي انتظرتها. ووجهت النار نحو الأرض، قريباً منهم. سمعوها، شموها، رأوا الحريق الذي اشتعل، لم يطلقوا النار وهربوا في منحدر الجبل.

 

ما جعل الاشتباك شاذاً وغير مسبوق، فقد كان أمراً لا لبس بصدوره لقوات الجيش الإسرائيلي. رغم أنهم مسلحين، بل واجتازوا الحدود، بل وقصدوا قتل جنود – لا تصيبوهم بأذى إلا إذا عرضوا القوة للخطر. لم يسبق أمر كهذا في أوامر فتح النار، وخصوصاً في الحدود اللبنانية. فقد صدر هذا كأمر الساعة (طوارئ)، بتوقيع رئيس الأركان ورئيس شعبة العمليات.

 

منطق ذلك القرار واضح: قتل رجال الخلية كان سيؤدي بالضرورة إلى يوم قتالي في الشمال، وربما أكثر من يوم قتالي واحد. كان التورط في 2006 أمام ناظر المقررين: لم يرغبوا بالتدحرج إلى حرب لبنان الثالثة. وكان الافتراض أن نصر الله سيكون ملزماً بالرد بالهجوم على أهداف عسكرية في إسرائيل وربما بلدات مدنية أيضاً. نصر الله في وضع حساس الآن: فقد أحد قادته في غارة جوية نسبت للجيش الإسرائيلي في سوريا، والآن يبحث عن سبيل للانتقام. من الأفضل ألا يدفع نحو خسائر إضافية. وبالأحرى: فليعلن بأن الخلية أحرزت نصراً هائلاً على الجيش الإسرائيلي وليهدأ.

 

فور الاشتباك أنزل الجيش الإسرائيلي ستار دخان على الجبل. أطلقت الدبابات قذائف. قذيفة طائشة سقطت على سطح كرميدي في قرية تدعى البرية، على مسافة نحو 5 كيلومترات من "هار دوف". لم يصب أحد بأذى: والجانب الإسرائيلي تنفس الصعداء.

 

تبدو هذه كلعبة حرب، وليس كحرب. بالفعل، في شبكة العلاقات المركبة بين إسرائيل وحزب الله ثمة عناصر من اللعبة. مثلما في قصيدة حانوخ لفين، يلعب الطرفان الشطرنج، الملك مع الملكة. والمواطنون في الطرفين ليست لديهم أدنى فكرة. هذا الاشتباه طل في الحوادث السابقة على طول الحدود. فما بالك أن هناك مصالح مدنية إلى جانب المناوشات العسكرية. لن يسمح نصر الله لنفسه بحرب، على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب، وكورونا، والمظاهرات ضده، ومال صعوبة الوصول من إيران. وإسرائيل أيضاً لا يمكنها أن تسمح لنفسها: فبعد أشهر من جفاف فرع السياحة على الجليل. التوتر العسكري سينزل المستجمين جنوباً. في حينه سميّنا هذه "حرب سلامة الكوخ السياحي".

 

بعد أقل من ساعة، أعلن الجيش الإسرائيلي عن الهدوء. وقام بضعة نشطاء في الجانب اللبناني بمسيرة انتصار. وبعد بضع ساعات جاءت الرسالة من بيروت: لا انتصار ولا بطيخ. وثأر حزب الله لا بد آت.

 

رسالتان متضاربتان خرجتا من إسرائيل. واحدة قالت إن نصر الله صعد إلى الشجرة، ووضعنا له سلماً مريحاً للنزول عنها. والثانية قالت، الويل لك إذا بقيت على الشجرة، سنضربك دون رحمة.

 

وبسرعة شديدة، تغلبت رسالة التهديد على رسالة التهدئة. لإسرائيل رئيس وزراء ورئيس وزراء بديل. كما أن لها وزير جيش ورئيس وزراء يرى نفسه وزير جيش بديلاً. كلاهما ظهرا ليلاً في تصريحات على التلفزيون. ما يسمى نوعاً ما من "المؤتمر الصحافي" وهددا حزب الله، كل بطريقته، ومن ثم، سافر نتنياهو إلى الشمال لتلتقط له صورة وهو يهدد نصر الله. غانتس هدد من الجنوب، من قاعدة "نباطيم". والجيش الإسرائيلي ساهم بدوره، ببلاغات عن تعزيز القوات.

 

إن الخصومة بين جزئي الحكومة، الرئيس والبديل، تركزت حتى هذا الأسبوع على مسائل سياسية، وقانونية، اقتصادية وشخصية. أما الأمن فكان خارج المجال. فلماذا نُدخل حروب الشمال إلى هذه القصة السيئة؟ لماذا نفرح نصر الله؟.

x