الإسلام في خدمة السلام: المستويات الدينية لاتفاق إبراهيم

السبت 05 سبتمبر 2020 - 08:00 مساءً بتوقيت القدس

سوزان حنا - عكا للشؤون الاسرائيلية

كتبه: أوفير ﭬينتر ويوآل غوجنسكي
نُشر في دورية "نظرة متبصرة"، العدد 1397
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي

حاز توجه الإمارات لاتفاقية تطبيع مع إسرائيل على مباركة مصر، وعُمان، والبحرين وموريتانيا، لكنه واجه انتقادات شديدة من القوى الإسلامية والسلطة الفلسطينية التي اتهمتها بالانحراف عن الصف العربي والإسلامي. بينما جُلّ الخطاب في إسرائيل منشغل في المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية الكامنة في الاتفاقية الجريئة، ويتم إيلاء اهتمام أقل للتحدي المعياري الديني لشرعنتها. الجدل الذي نشب بين اتحاد الإمارات وخصومها حول الشرعية الدينية للاتفاق مع إسرائيل يدل على مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على لعب دور إيجابي في حشد الدعم الشعبي الواسع للسلام وللتطبيع في الرأي العام العربي والإسلامي. مركزية المستويات الدينية في رؤية أبو ظبي للاتفاقية يجب أن يأخذها صانعو القرار في القدس بعين الاعتبار.


تعمل الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات، بل وأكثر من ذلك في العقد الماضي، على نشر عقيدة دينية- سياسية تعتبر السلام قيمة إسلامية وتعتبره مكونًا أساسيًّا لهويتها الوطنية. هذه، كبديل مفاهيمي وأيديولوجي للمفاهيم الراديكالية للإسلام السياسي الإسلامي والقوات السلفية الجهادية في المنطقة. تساعد هذه الجهود على ترسيخ الروح الوطنية للدولة، وتخدم الرؤية المعادية للإسلاميين التي تسعى للترويج لها في الشرق الأوسط وتساهم في بناء صورتها الدولية كمعقل للحرية الدينية والتعددية، والتعددية الثقافية.


في عام 2016، أنشأ الاتحاد الخليجي وزارة حكومية لتعزيز التسامح وأعلن عن العام 2019 "عامًا للتسامح" استضاف خلاله لقاء قمة بين قداسة البابا وشيخ الأزهر المرجع الديني الأعلى في مصر والعالم السني. شارك الزعيمان الدينيان في بلورة وثيقة الإخوة البشرية، الغرض المعلن لها هو تعزيز السلام العالمي والتعايش بين أعضاء جميع الأديان. في عام 2022 حتى من المتوقع أن يُفتتح في أبو ظبي مجمع "بيت العائلة الإبراهيمية " الذي سيضم مسجداً وكنيسة وكنيساً، ويهدف إلى تعزيز القيم المشتركة للديانات التوحيدية الثلاثة وتشجيع التفاهم المتبادل وقبول الآخر بين جميع المؤمنين.


وعملية التطبيع التي تجري برعاية أمريكية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة تشكلت بهذه الروح التصالحية، ويتم تسويقها من بين أمور أخرى على أنها تقارب ديني متجدد بين المسلمين واليهود والمسيحيين.
وقد أطلق عليه واضعوه "اتفاقية إبراهيم"، التي سميت باسم والد الديانات التوحيدية الثلاث. تضمن إعلان الاتفاقية بنداً (يُفترض أن يُعبر عنه أيضاً في الاتفاقية نفسها)، ينص على أن "جميع المسلمين الأكثر سلمًا لهم أن يزوروا المسجد الأقصى والصلاة فيه، وأن الأماكن المقدسة الأخرى في القدس ستظل مفتوحة أمام المؤمنين المحبين للسلام من جميع الأديان". إضافة إلى ذلك، المؤسسات الدينية الرسمية والحاخامات في اتحاد الإمارات منحت دعماً شرعياً لهذه الخطوة.


كما أن اتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل مع مصر والأردن في ذلك الوقت، حصلت على فتوىً شرعية من قضاة مؤيدين للمؤسسة، والذين سعوا لمساعدة أنظمتهم على إضفاء الشرعية للتحول السياسي الدراماتيكية وصد الانتقادات الإسلامية. كما تعرض الرئيس السادات والملك حسين لهجمات من جانب الإخوان المسلمين في بلدانهم، الذين ما زالوا يرفضون الاعتراف بإسرائيل، وهكذا هاجم المحور الإسلامي المعاصر ولي العهد محمد بن زايد. هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإغلاق سفارة بلاده في أبو ظبي بسبب الاتفاق، إيران وصفته بـ "السكين في ظهر كل المسلمين"، فيما حماس تعتبره خيانة لنضال الشعب الفلسطيني. الداعية أحمد الريسوني مؤسس ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومقره بالدوحة والممول من قطر بأن "تحريم التطبيع في الحقيقة ليس سوى تحريم للظلم والاغتصاب والاحتلال وشتى أنواع الجرائم التي قام ويقوم بها الصهاينة ودولتهم منذ ثمانين سنة ".
أما فيما يتعلق بالنقد في الإمارات، فقد اتهم نشطاء المعارضة - بعضهم منفي وعلى صلة بقطر - نظام الحكم بانتهاك المادة 12 من الدستور التي تُلزم بالتضامن العربي والإسلامي. سارع هؤلاء بتشكيل جمعية من أجل مكافحة التطبيع الذي اتخذ شعار قبة الصخرة في القدس. خُتم البيان الأساسي للجمعية بالآية القرآنية (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (سورة المائدة الآية 2) وتهدف إلى إبراز التناقض - في نظرهم - بين الدعم الواجب للقضية الفلسطينية والعلاقات النجسة المثيرة للاشمئزاز مع إسرائيل.


لم تنصَع الإمارات العربية المتحدة للجدل الشرعي حول شرعية الاتفاقية. الحجة الرئيسية جاءت في بيان صادر عن مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، المرجعية الدينية العليا في الاتحاد، هي أن الاتفاق مع إسرائيل هو مصلحة، تخدم الأهداف الشاملة للشريعة الإسلامية. استخدام آلية المصلحة يتيح لنظام أبو ظبي الادعاء بأن الإنجازات السياسية الكامنة في الاتفاقية مع إسرائيل تحمل في طياتها أيضًا قيمة دينية. وأوضح رئيس المجلس الشيخ عبدالله بن بيه أن إبرام الاتفاقية هي من صلاحياته الحصرية السيادية للحاكم بعد أن خلص إلى أنها تؤدي إلى إلغاء فرض السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتخدم حل القضية الفلسطينية، وتشجع السلام، وتُبعد شبح الحروب والأوبئة وتفيد الإنسانية.


بالإضافة إلى ذلك، بررت الإمارات تحركاتها بسوابق إسلامية من الماضي، بما في ذلك صُلح الحديبية عام 628 الذي أبرمه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع الوثنيين في مكة. كتب بن بيه أنه "في الشريعة هناك العديد من النماذج والأسس الشرعية الناظمة لمثل هذه القضايا من المصالحة والسلام التي تتطلبها الظروف وصالح الجمهور المسلم بأسره ". ومثلما استدل معارضو الاتفاقية بآيات قرآنية، استند أنصارها بالآيات المضادة التي تشير إلى تفضيل الإسلام لطريق السلام، مثل "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"(سورة الأنفال الآية 61). وقال رئيس اللجنة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الإمارات، د.محمد مطر سالم الكعبي: إن الاتفاق مع إسرائيل يتماشى مع المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى التعاون بين أتباع كافة الديانات ومع وثيقـة الأخــوة الإنســانية لعام 2019. وأضاف أن الاتفاقية تساهم في تعزيز الصورة الدولية لدولة الإمارات العربية المتحدة كدولة تقود اتجاهات السلام والتسامح.


إلى جانب الهجمات الإسلامية، تواجه الإمارات احتجاجات من السلطة الفلسطينية. ورأت رام الله في تعليق الضم اعتبارًا غير كافٍ لانحراف أبو ظبي عن مبادرة السلام العربية، التي اشترطت التطبيع مع إسرائيل باتفاق مع الفلسطينيين على أساس خطوط 1967. حتى أن محمد حسين مفتي القدس أفتى بمنع الإماراتيين من الصلاة في المسجد الأقصى. وأضاف محمود الهباش قاضي قضاة فلسطين الشرعيين ومستشار الرئيس للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية بأن كل مسلم غير فلسطيني سيأتي للصلاة في المسجد الأقصى على أساس اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات "غير مرغوب فيه". الخوف الفلسطيني هو أنه بفضل هذه الزيارات سترسخ إسرائيل صورتها كدولة تسمح بحرية العبادة وتقوي قبضتها على الأماكن المقدسة. إن وقوف السلطة الفلسطينية إلى جانب المحور الإسلامي وضد دول المحور البراغماتي القريب منها، يوضح العزلة الإقليمية التي وقعت فيها رام الله بسبب الاتفاق، ومفترق الحسم الصعب الذي تجد نفسها فيه.


وردًا على الانتقادات الفلسطينية، تطوعت مصر حليفة دولة الإمارات العربية المتحدة لمساعدتها. د. عباس شومان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رفض فتوى منع المواطنين الإماراتيين من زيارة الأقصى، بقوله: "في حدود علمي لم يصدر في تاريخنا الإسلامي عن السلف أو الخلف فتوى تمنع شخصا أو جماعة أو شعبًا من الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين اعتمادا على موقف سياسي اتخذته دولته". حتى أن شومان تساءل لماذا لا يمنع الفلسطينيون المواطنين الأتراك والقطريين من الصلاة في المسجد الأقصى، على الرغم من أن دولهم تحافظ على تطبيع طويل الأمد مع إسرائيل في المجال الاقتصادي وحتى العسكري.


وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة عُمان، فإن أعلى هيئة دينية - التي تتمتع ببعض الاستقلالية – لا تتماشى بشكل كامل مع تلك السياسة، فمن الممكن بهدف تقويض إمكانية التقارب بين عُمان وإسرائيل. وعلى الرغم من التأييد العلني لسلطنة عُمان لخطوة دولة الإمارات العربية المتحدة، أصدر مفتي السلطنة، الشيخ أحمد الخليلي، فتوى تعارض بشدة الاتفاق الناشئ، وحدد زيارة الأقصى في إطار التطبيع غير شرعية وذكر أن "تحرير الأقصى وتحرير الأرض التي حول المسجد هما واجب مقدس على الأمة الإسلامية كلها".


مدلولات
يلعب الدين الإسلامي دورًا مركزيًا في الخطاب السياسي في الساحة العربية، من بين أمور أخرى، كوسيلة للسلطات لترويض القلوب وحشد الدعم الشعبي للنظام الاجتماعي-السياسي القائم وسياسات النظام. يستعين قادة عرب بالمؤسسات الدينية الممولة بأموال الدولة لدرء المعارضات الإسلامية وشرعنة تحركات سياسية مثيرة للجدل في الداخل والخارج. تلقي مسألة العلاقات مع إسرائيل مزيدًا من الضوء على مكانة المؤسسات الدينية في كل بلد وعلى طبيعة العلاقة القائمة بين الدين والسياسة. علاوة على ذلك، فإنها تكشف عمق الصدع الذي يقسم العالم العربي والإسلامي المعاصر بين المحور البراغماتي المتمركز حول مصر والإمارات والسعودية، والمحاور المتطرفة بقيادة تركيا وإيران.


يظهر الجدل بين الطرفين أن الإسلام كدين ليس له موقف متفق عليه فيما يتعلق بالسلام والتطبيع مع إسرائيل. على العكس من ذلك، فإن اللاعبين المتنافسين في العالم العربي والإسلامي لديهم مواقف مختلفة من الموضوع، وأحيانًا حتى متناقضة، وهؤلاء أيضًا يدعون إلى احتكار تفسير القانون الديني وفقًا لاحتياجاتهم ومفاهيمهم السياسية. تنبع أهمية الجدل الشرعي في شرعنة العلاقات مع إسرائيل من الثقل الكبير للإسلام كمصدر لتعبئة الشرعية السياسية في المجتمعات ذات الطبيعة التقليدية. بالإضافة إلى أن المبررات الإسلامية من أجل السلام تهدف إلى تخفيف التنافر المعرفي الذي ينطوي عليه الانتقال من صراع طويل الأمد مع إسرائيل - يرافقه توتر ديني- إلى علاقات علنية.


تُقدم المحاور الإقليمية المتنافسة نماذج سياسية وأيديولوجية وقيمية مختلفة - التسامح مقابل التعصب، القومية مقابل منهج عبر الحدودية، القدرة على التكيف مقابل الثورة. إسرائيل من جهتها لها مصلحة في تشجيع المحور البراغماتي الداعم للسلام والتطبيع وإضعاف الأفكار الراديكالية الرافضة لهما. تم تعريف ثمار الاتفاقية التي طال انتظارها بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة بأنها "مصلحة" وحصلت على مظلة تشريعية، لكنها تعكس تطلعات ملموسة - سياسية واقتصادية وغيرها. بقدر تحقُق هذه الثمار فعلا واستفادة دول وشعوب المنطقة، تزداد الشرعية السياسية والدينية للسلام مع إسرائيل وتضعف الحجج المضادة.


أخيرًا، على خلفية الاتفاقية، يمكن ملاحظة الفجوة بين مركزية المستويات الدينية في الخطاب المنبثق من الإمارات مقارنة بهامشيتهم في الخطاب الإسرائيلي. يجب أن تعمل الجهات الحكومية والمدنية والدينية في إسرائيل على ملء الفراغ واستخلاص الإمكانات الإيجابية الكامنة في البعد الديني للعلاقة. الحوض المقدس في القدس تمت الإشارة إليه صراحة في الاتفاقية، ويجب بلورة رؤية شاملة حوله، بالتعاون مع دول السلام. (مع التركيز على الأردن) وبقدر الإمكان مع السلطة الفلسطينية.

x