مقال: الصفقة مع سوريا ستلاحق نتنياهو في المفاوضات مع حماس

الإثنين 22 فبراير 2021 - 05:53 مساءً بتوقيت القدس

عمار ياسر - عكا للشؤون الاسرائيلية

صحيفة "هآرتس" العبرية - بقلم: عاموس هرئيل

 

بعد شجار استمر نحو يوم استجابت الرقابة العسكرية في إسرائيل وصادقت على نشر البند السري في الصفقة التي مكنت من اعادة الفتاة الإسرائيلية التي اجتازت الحدود إلى سوريا. إضافة إلى المواطنَين السوريين وتخفيف حكم فتاة درزية من سكان هضبة الجولان، حولت إسرائيل لسوريا مقابل مادي، اقترحته روسيا وهو تمويل شراء عدد كبير من لقاحات الكورونا (كما يبدو مئات الآلاف)، هذا التطعيم من انتاج روسي واسمه "سبوتنيك"، الذي معظم دول المنطقة غير متحمسة للحصول عليه وهي تفضل عليه التطعيمات الغربية.

 

منع الرقابة تم رفعه بعد أن بدأت تفاصيل عن الاتفاق، كالعادة، تتسرب الى وسائل الاعلام ومواقع انترنت اجنبية، في اعقاب ما نشر في "هآرتس" بأنه يوجد في الاتفاق بند سري. المبرر الرسمي لتأخير المعلومات هو أن هذا ما طلبه الروس من اسرائيل، في الاتفاق تم التأكيد على أن موضوع التطعيمات سيبقى سريا. ولكن من غير المستبعد أنه كان لدينا اعتبار آخر. السوريون أدركوا بسرعة أن الفتاة التي اعتقلت في قرية الخضر السورية على السفح الجنوب شرقي لجبل الشيخ، ليست جاسوسة، بل فتاة لديها ظروف شخصية معقدة. مع ذلك حاولوا أن يحققوا أكبر قدر من الفائدة مما وقع تحت أيديهم. اسرائيل قامت بجمع مقابل من هنا ومن هناك، لكن بعد ذلك طلبت دمشق الحصول على تمويل للتطعيمات، واسرائيل استجابت رغم أن هذا الامر يتسبب بالحرج لرئيس الحكومة نتنياهو.

 

حل نتنياهو كان بسيط وهو التعتيم على النشر. رغم أنه كان يمكن إلقاء هذا الأمر على عاتق طلب روسيا بالحفاظ على السرية. فعليا يوجد هنا التقاء مصالح بين ديكتاتوريتين وبين ديمقراطية في حالة تراجع، حيث يوجد لجميعها مصلحة في اخفاء حدوث عملية ابتزاز واحراج. حسن حظ الفتاة هو أنها ذهبت في مغامرة عديمة المسؤولية في فترة انتخابات. روسيا قدمت لنتنياهو مبادرات حسن نية اخرى في ذروة جولتين انتخابيتين من بين الثلاث جولات الاخيرة – اعادة جثمان الجندي زخاريا باومل من سوريا في العام 2019 واطلاق سراح فتاة اسرائيلية في السنة الماضية وهي نعوما يسسخار، التي أُلقي القبض عليها في مطار موسكو وهي تحمل كمية صغيرة من المخدرات.

 

ولكن الانجاز الحالي لنتنياهو، الذي يستند كما يتفاخر الى علاقته الجيدة مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين، يرتبط ايضا بالتنازل في موضوع التطعيمات. هذا اصبح مسألة مشحونة سياسيا، التي تسبب له عدم الراحة. في اليمين الاسرائيلي غير متحمسين من أن اسرائيل تشتري بأموالها تطعيمات لصالح مواطني دول عربية. وهناك أمر مشحون أكثر وهو أن نتنياهو لا ينجح حتى الآن في انهاء قضية المخطوفين الاسرائيليين وجثامين الجنديين المحتجزين في أيدي حماس منذ اكثر من ست سنوات.

 

منذ تفشي فيروس الكورونا تمت محاولة ربط المساعدة الاسرائيلية لغزة في مكافحة الفيروس بتنازلات من قبل حماس في قضية المخطوفين والمفقودين. هذا الامر طرح مجددا في الاشهر الاخيرة عندما حصلت اسرائيل على كمية كبيرة من التطعيمات من شركة فايزر. وحتى الآن تسلموا في الضفة آلاف التطعيمات من المخزون الاسرائيلي. أما للقطاع فقد وصلت 500 جرعة سبوتنيك، كما يبدو من اجل الطواقم الطبية. اسرائيل لم تشترط النقل بالحصول على اشارة بأن الجنديَين الإسرائيليَين على قيد الحياة.

 

إسرائيل تقول إنه ليس لديها أي التزام تجاه السلطة الفلسطينية أو حكومة حماس لتزويدهم بالتطعيمات. في المقابل، هي ايضا لم تعرقل بصورة واضحة نقل التطعيمات إليهم من الخارج. ولكن عائلات الجنود تطلب من نتنياهو استخدام التطعيمات كورقة مساومة في المفاوضات، وهذه القضية سبق وطرحت في محكمة العدل العليا في إسرائيل.

 

نتنياهو موجود في شرك في هذه القضية. لأنه خلافا لازمات انسانية اخرى هو لا ينجح في تزويد البضاعة المطلوبة. والثمن الذي تطلبه حماس أكبر بكثير من الثمن الذي حصلت عليه روسيا وسوريا. الاحراج واضح جدا الى درجة أنه قلل في السنوات الاخيرة ظهوره في احتفالات الذكرى السنوية للقتلى الإسرائيليين الذين لا يُعرف مكان دفنهم، على خلفية مظاهرات العائلات. في هذا الاسبوع ظهر في الاحتفال وتفاخر بعلاقته مع بوتين.

 

رئيس الحكومة لم يذكر الثمن الكامل الذي ينوي دفعه. الآن سيطرح بصورة أشد السؤال لماذا لا يدفع ثمنًا مشابهًا مقابل الصفقة في غزة، رغم أن مطالب حماس أكبر. هل دم الفتاة الموجودة في سوريا والتي هي اصولية أكثر حمرة من دم القادم من اثيوبيا والموجود في قطاع غزة؟

 

الصفقة الاخيرة تُظهر خطًا نموذجيًا لأداء رئيس الحكومة في الايام التي يدير فيها حرب بقاء سياسي وقانوني: حتى عندما يعمل من اجل هدف جيد ومبرر (انقاذ الفتاة الاسرائيلية) ويستغل تجربته السياسية (هذه المرة العلاقة بينه وبين بوتين)، فانه بشكل معين تخرج الامور معوجة، من خلال دفع ثمن مختلف عليه والتستر على جهود الاخفاء الخرقاء. هذا ينبع من عدة مشاكل – خلط اعتبارات الحملة الانتخابية، اخفاء الامر عن الجهات المهنية وحقيقة أن نتنياهو اضطر للعمل مع عدد من المستشارين والمساعدين الأقل تجربة وخبرة من الاشخاص الذين كانوا يحيطون به قبل عقد.

 

في نهاية المطاف، يوجد هنا خليط من الهواية والسرية، يضر ايضًا بثقة الجمهور بخطوات الحكومة. خسارة. لأن الطريق المعوجة تطمس النتيجة الايجابية للصفقة. نتنياهو الذي أحسن تشخيص التطعيمات باعتبارها المخرج الوحيد لاسرائيل من ازمة الكورونا، يقود هنا عملية تطعيمات بوتيرة سريعة ويسبق بكثير الدول الغربية. الآن هو ايضا يستخدم دبلوماسية التطعيمات كـ "قوة ناعمة"، تساعد على انجاز اهداف اسرائيلية (حتى الصين وروسيا تتصرف بهذا الشكل، في نطاق اكبر بكثير). بطريقة معينة، الخيار الوحيد وتقريبا الثابت له وهو الاخفاء والخداع، يضر بالنتائج.

 

اعتقال من اجل المساومة

في الهامش، تجدر الاشارة ايضا الى الرعاة الذين تم دمجهم في الصفقة. هذا اسلوب ثابت واشكالي بشكل معين، يستخدمه الجيش منذ سنوات، لا سيما على حدود لبنان في مزارع شبعا. اسرائيل تقوم باعتقال رعاة يجتازون الحدود في مناطق لا يوجد فيها جدار محدد، على الاغلب يتم إطلاق سراحهم بعد بضعة ايام. الاعتقال يتم لغرض الردع وبسبب الخوف من أن حزب الله يستخدم بعض هؤلاء الرعاة من اجل جمع معلومات عن نشاطات الجيش الإسرائيلي على الحدود.

 

في هذه المرة تم اعتقال راعيين سوريين قاما باجتياز الحدود في ظروف مشابهة في هضبة الجولان قبل اسبوعين. ايضا هنا قاما باختراق حدود اسرائيل في المكان الذي فيه الجدار يوجد غرب الحدود دون اجتيازهما للجدار. ادعاء اسرائيل الرسمي هو اعتقال بسبب خرق السيادة، لكن من الواضح والظاهر للعيان أنه فعليا جمعت هنا "اوراق مساومة" لغرض تسريع اعادة الفتاة الاسرائيلية من سوريا. وهذا ما حدث عندما تم تنفيذ الصفقة أول أمس.

x