تقرير: الأحزاب الموسمية في إسرائيل.. بين الصعود والاختفاء

الإثنين 01 مارس 2021 - 10:59 صباحاً بتوقيت القدس

حسين جبارين - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

تتعرض الأحزاب في إسرائيل لتغييرات كثيرة في تركيبتها القيادية والتنظيمية في كل دورة انتخابية، وكثيرًا ما ظهرت أحزاب غير أنها سرعان ما كانت تعود فتختفي من الخريطة السياسية الحزبية بعد دورة واحدة أو دورتين، أو ثلاث دورات على الأكثر إذا استثنينا حزب إلى الأمام "كاديما"، الذي أسسه أرئيل شارون عام 2005، وهو الحزب الذي استمر لأربع دورات انتخابية.

 

هذه الأحزاب والتي يطلق عليها "الأحزاب الموسمية" هي أحزاب تظهر وتختفي بسرعة من الخريطة السياسية، حيث تعبر عن مزاج معين عند الجمهور، وترتبط بشخصيات معينة ذات شعبية مرتفعة وكاريزما جذابة وتركز غالبًا في دعايتها الانتخابية على جانب واحد.

 

في التقرير التالي، نسلط الضوء على عدد من الأحزاب الإسرائيلية التي وصلت إلى سلطة الحكم، لكنها سرعان ما انهارت في النهاية، فضلا عن الأسباب التي دفعتها إلى التبدل بهذه السرعة.

 

كديما: من حزب سلطة إلى الاختفاء

أسس أريئيل شارون حزب كديما سنة 2005، بعد انشقاقه مع عدد كبير من أعضاء حزب الليكود عنه. وجاء تشكيل كديما الذي ضم أوساطاً من حزب العمل أيضاً على رأسهم شمعون بيرس ليكون حزب سلطة، يكون فيه شارون قائداً بلا منازع وبلا منافس سياسي أو أيديولوجي كما كان في الليكود، تحديداً بعد تنفيذ خطة الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية (2005).

 

وتم تأطير كديما بأنه حزب وسط (أو مركز) فهو ليس يمينياً وليس يسارياً، على الرغم من أنه ضم شخصيات من حزب العمل والليكود متضادة سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً.

 

وتوقعت استطلاعات الرأي العام حصول كديما على 40 مقعداً برئاسة شارون، وانتهاء عهد حزبي العمل والليكود كحزبي سلطة، غير أن مرض شارون، -الذي كان الشخصية الأكثر شعبية في إسرائيل- في تلك السنوات، أنذر بأن الحزب من دونه لن يكون كما هو في حضوره، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات اللاحقة، فلم يخض كديما الانتخابات بعد ذلك مع شارون، وانهار في النهاية، لأنه كان فعلاً حزب هذا الأخير.

 

تم عقد الانتخابات، بعد تأسيس كديما، بتاريخ 28/3/2006، وفعلاً، حصل الحزب على أعلى نسبة من الأصوات، وحظي بـ29 مقعداً. وكانت تلك أول مرة التي يحصل فيها حزب غير حزبي العمل والليكود على أعلى نسبة من المقاعد في الكنيست.

 

وعلى الرغم من أن عدد المقاعد التي حصل عليها كديما كان أقل مما توقعته استطلاعات الرأي، في الغالب بسبب غياب أريئيل شارون، فإن النتيجة التي حققها كانت سابقة في التاريخ الإسرائيلي لحزب جديد.

وأظهر التراجع الكبير لحزب الليكود، وحصوله على 12 مقعداً فقط في مقابل 39 مقعداً في الدورة السابقة، تغييراً كبيراً في المشهد الحزبي الإسرائيلي.

 

قاد حزب كديما الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة 2006–2009، برئاسة وارث شارون، إيهود أولمرت. وأخفق خلالها في حربين، تموز/ يوليو 2006 في لبنان، وكانون الأول/ ديسمبر 2008 في قطاع غزة. كما أنه لم يتقدم في مسار التسوية السياسية مع الفلسطينيين وانتهت الحكومة باستقالة أولمرت بشأن قضايا فساد مالي، ومحاكمته وسجنه.

 

 وعندما أجريت انتخابات سنة 2009، قادت تسيبي ليفني الحزب وحصل على 28 مقعداً، بفارق مقعدين عن الليكود، إلاّ إنه لم يؤلف الحكومة وفضل البقاء في المعارضة، وكان ذلك النقيض الجوهري لفكرة الحزب كحزب سلطة، يجمع بين جناحيه كثيراً من التناقضات السياسية والأيديولوجية وجمعها شارون والسلطة، وكان خطأ ليفني بعدم تأليف حكومة بسبب رفضها التحالف مع اليهود الحريديم [المتشددون دينياً] بمثابة خطأ قاتل بالنسبة إلى كديما، وكان أيضاً نذيراً بانهياره وبدء عهد بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة وزعامة إسرائيل.

 

لماذا تتبدل أحزاب الوسط بهذه السرعة؟

 

تدل نتائج الانتخابات منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي على أن في إسرائيل شريحة غير قليلة من الجمهور الإسرائيلية تتموقع في وسط الخريطة السياسية وتشكل «مخزوناً انتخابياً» محتملاً لأحزاب الوسط التي تستفيد من ضعف الأحزاب الكبيرة، ومع ذلك، تتميز أحزاب الوسط في إسرائيل بسرعة الاختفاء، نسبياً.

 

وعلى مدى السنوات الماضية، يتبين أن أحزاب الوسط الإسرائيلية تواجه عددا من المخاطر الرئيسية، من بينها، الاعتماد على قائد ذي شخصية كاريزمية، حيث تتشكل أغلبية أحزاب الوسط من خلال الالتفاف حول قائد واحد ذي شخصية كاريزمية، وإذا ما انسحب هذا القائد، لأي سبب كان، أو إذا اتضح أنه غير ناجح، فإن الحزب يجد صعوبة بالغة في الصمود والاستمرار من دونه.

 

آخر هذه الأحزاب، هو تفكك حزب تحالف "أزرق أبيض" بزعامة بني غانتس، في أعقاب انسحاب حزبين منه بقيادة يائير لابيد وموشيه يعالون، بعد تشكيل نتنياهو وغانتس -في خطوة مفاجئة- لحكومة وحدة وطنية طارئة في 20 أبريل/نيسان للتعامل مع أزمة فيروس كورونا.

 

وبعد انضمام غانتس لنتنياهو بدأ الضعف يتسلل إلى حزب أزرق أبيض، حيث أظهرت نتائج استطلاع جديد للرأي في إسرائيل اختفاء حزب "أزرق أبيض" من الخارطة الانتخابية، وعدم تجاوزه نسبة الحسم والحصول على أي مقعد في الانتخابات القادمة.

 

كما تعتبر الانقسامات الداخلية من أبرز المخاطر، حيث يمكن أن نذكر، بصورة خاصة، الانقسام الذي جرى في حزب كديما، حين انسحب عدد من أعضائه ليشكلوا حزب الحركة عشية انتخابات سنة 2013، وهو ما أدى إلى تحطم كديما في تلك الانتخابات.

 

إلى جانب ذلك، ابتعاد الناخبين وانتقالهم إلى أحزاب وسط جديدة، إذ يبيّن الواقع أن جمهور المصوتين لمصلحة أحزاب الوسط في الغالب ما يهجر حزب الوسط الذي صوّت لمصلحته في الانتخابات السابقة، وينتقل إلى تأييد حزب وسط جديد. ويبدو طبيعياً أن ناخبي أحزاب الوسط هم أقل ولاء لأحزابهم، لأن تصويتهم ليس ناتجاً من قناعة أيديولوجية واضحة أو هوية قطاعية محددة.

 

x