اعتبارات قصيرة النظر على حساب رؤية بعيدة المدى

الثلاثاء 19 أبريل 2016 - 07:30 مساءً بتوقيت القدس

Admin -

عكا للشؤون الإسرائيلية

مركز دراسات الأمن القومي

دراسة صادرة عن مركز دراسات الأمن القومي، تتناول الاتفاق المتبلور مؤخرًا بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والمتعلق بموضوع اللاجئين وقبول تركيا استعادة اللاجئين السوريين مقابل تمويل ومحفزات اقتصادية وسياسية تعهد بها الأوروبيون لصالح أنقرة.

الدراسة، التي كتبها كلًا من عودد عيران وغاليه لندن شتراوس، تتناول الصعوبات التي تواجه الاتفاق، وتراهن على فشله على المدى البعيد، بالذات فيما يتعلق بالطموح التركي بالانضمام الى عضوية الاتحاد الأوروبي، وأن البديل المتاح أمام تركيا يتمثل في السعي إلى شراكة بديلة وكاملة مع إسرائيل.

في الـ 18 من مارس 2016 أنجز اتفاق جديد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا؛ هذا الاتفاق يشبه في معظمه صفقة سابقة تبلورت بين الطرفين في الـ 19 من نوفمبر 2015، تغلق تركيا حدودها في وجه المهاجرين السوريين لقاء ثلاثة مليارات يورو مخصصة لاستيعاب أولئك الذين قد تواجدوا على أراضيها، واستعجال التفاوض حول دخول تركيا إلى الاتحاد، وكذلك استعجال الخطوة التي تخلص المواطنين الأتراك من حاجتهم إلى فيزا لدخول دول الاتحاد.

في الاتفاق الجديد تقرر أن تعيد اليونان إلى تركيا اللاجئين الذين دخلوا من تركيا إليها بطريقة غير منظمة (وسيما الذين دخلوا عن طريق مهربي اللاجئين بمقابل مالي) وتحصل تركيا على ثلاثة مليارات يورو أخرى، وموضوع التخلص من الفيزا يُستعجل به، بحيث يُنفذ قبل نهاية يونيو 2016، ويفتح فصل جديد في المفاوضات بشأن إدخال تركيا إلى الاتحاد، الفصل الـ 17 الذي يتناول السياسة الاقتصادية والنقدية، وقد افتتح هذا الفصل في منتصف ديسمبر 2015، والفصل 33 الذي يتناول الموازنة والشؤون المالية سيبدأ في النصف الثاني من العام الجاري 2016.

في الاتفاق الذي وُقع في مارس أُدخل أيضًا تعديلٌ تستطيع تركيا وفقه أن تنقل إلى أوروبا أي لاجئ سوري تم دخوله إلى تركيا بطريقة نظامية، وكل لاجئ من سوريا يعاد من اليونان، وبدءًا من 4 ابريل يمكن أن يستوعب في أوروبا؛ هذا الترتيب محدود بـ 54 ألف لاجئ، بالإضافة إلى 18 ألف صودق على استيعابهم في يوليو 2015. وبالإجمال فقد وافقت أوروبا على استيعاب 72 ألف لاجئ، ذلك بالإضافة إلى مئات الآلاف الذين جاءوا بطريقة أو بأخرى إلى الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. يزعم جانبا الاتفاق علانية أنه أعد لمنع الظاهرة الكئيبة، حيث لاقى آلاف المهاجرين حتفهم في بحر ايجة أثناء محاولة الوصول إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي بند يكاد يكون مخفيًا لم يُضمن في الاتفاق مع تركيا، وإنما في وثيقة استنتاجات المجلس الأوروبي (الهيئة العليا في الاتحاد المكونة من رؤساء الدول الأعضاء) قيل أن الاتحاد الأوروبي عاد وأعلن انه يتوقع من تركيا أن تحترم المعايير العليا عندما تتعلق الأمور بالديمقراطية وسلطة القانون واحترام الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير.

الصفقة المتجددة مع تركيا أشارت إلى الضائقة التي يعيشها الاتحاد الأوروبي في كل ما يخص التصرف بشأن تيار اللاجئين المتدفق من جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسيما من يأتون من سوريا. أمام القادمين من شمال أفريقيا، وسيما من ليبيا، يوجد قطاع بحري، بينما ما بين سوريا وأوروبا واليونان الدولة الأولى في القارة الأوروبية العضوة في الاتحاد يوجد عازل بري وهو تركيا. خلال أربعة أشهر أوضح الاتحاد الأوروبي وفي إطار الصفقتين مع تركيا انه مستعد لدفع ثمن باهظ لكي تقوم تركيا بدور الدولة العازلة، تقديم مساعدة اقتصادية للدول التي تحمل العبء الكامن في استيعاب اللاجئين السوريين (تركيا على سبيل المثال استوعبت حوالي 2.6 مليون لاجئ) كانت خطوة صحيحة في ظل التحديات الكثيرة التي أنتجها انتقال اللاجئين إلى أراضي هذه الدول، ورغم ان اللاجئين سيتأقلمون فيها بحد معقول، تستطيع المساعدة أن تسهم في خفض الرغبة لديهم في مواصلة الهجرة.

رغم ذلك يثور سؤال حول وجود الأدوات اللازمة لدى الاتحاد الأوروبي لكي تفحص فيما إذا استخدمت المليارات الستة الممنوحة لتركيا في الاتجاه الصحيح، وعدا عن ذلك فالاتحاد الأوروبي ليس لديه في الواقع أدوات ليفرض على اليونان مجهود تعقب اللاجئين الداخلين إليها بطريقة غير شرعية، وليس لديه طريقة ليتأكد من أن جميع من ضبطوا وأُرجعوا إلى تركيا عوملوا بطريقة سيئة أثناء الطريق. يوجد احتمال معقول بأن بند الإرجاع في الاتفاق سينهار على ضوء الصور المأساوية الأولية للاجئين الذين فرض عليهم الرجوع.

من بين الأسئلة المركزية الأخرى التي تثيرها الصفقة الأخيرة؛ هناك قضية المواجهة الكلاسيكية بين القيم والمصالح التي علقت فيها أوروبا هذه المرة، بسبب الضائقة وافقت أوروبا على سلسلة من الوعود لتركيا؛ بل أن هناك شك فيما إذا كان قادتها فعلًا يؤمنون أنهم يستطيعون في المستقبل الإيفاء بالتزاماتهم تلك، الدخول إلى المفاوضات المستعجلة حول انضمام تركيا إلى الاتحاد تعتبر نموذجًا بارزًا على ذلك، الفصلان اللذان اتفق على البدء بالتفاوض حولهما هما فصلان سهلان نسبيًا، لكن وإن انتهت المفاوضات على جميع فصوله الـ 35 بنجاح فإن النتائج سيلزمها المصادقة الداخلية في كل دولة عضو في الاتحاد. انتشار بغض الأجانب والنزعة القومية في أنحاء الاتحاد الأوروبي تكاد تضمن التصويت السلبي في دولة واحدة على الأقل، وسيكون ذلك كافيًا لإفشال انضمام تركيا إلى المنظمة. تخليص المواطنين الأتراك من الفيزا من شأنه أن يزيد عدد الأتراك الذين يعتبر تواجدهم في دول الاتحاد غير قانوني، وهذا تطور حكمه زيادة المعارضة القائمة لانضمام تركيا إلى الاتحاد، وبهذا الشأن تجدر الإشارة إلى أن الحاجة للفيزا لدخول الدول الأوروبية يتسبب بالغضب في أوساط الكثير من الأتراك؛ لذلك فإن حل هذه المشكلة بعد سنوات طويلة من الإحباط قد يستقبل بالإيجاب من قبل الرأي العام التركي.

لسنوات طوال كانت الجهود التركية المبذولة لقبول انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي رافعة للإصلاحات الديمقراطية في هذه البلد، البند الملخص الذي يظهر في استنتاجات المجلس الأوروبي بشأن توقعات القادة الأوروبيين من تركيا حول الحفاظ على الحريات الأساسية لا يمكن تفسيره في تركيا إلا بأنه غمزة أوروبية وضوء أخضر لقمع المعارضة السياسية الداخلية والأقلية الكردية؛ بل وربما أيضًا تعبير عن اليأس فيما يخص ما يجري على الساحة السياسية التركية، هذه الغمزة لوحظت في نوفمبر 2015 حيث أجل إلى ما بعد الانتخابات العامة في تركيا موعد الإعلان عن إجراء التدقيق والمساءلة حول تقدم تركيا بخصوص معايير كوبنهاجن لقبولها في الاتحاد؛ وهكذا بدلًا من أن يساعد الاتحاد الأوروبي تركيا على الامتثال لهذه المعايير، ليس مجرد أنه لا يحافظ على مبادئه؛ وإنما يضعها في وضع صعب بشأن قضية الحفاظ على حقوق الإنسان في عملية إرجاع اللاجئين.

من المهم إيجاد حلول نظامية لقضية اللاجئين، سواء في الدول المجاورة لتركيا أو الاتحاد الأوروبي، رغم ذلك هناك شك فيما إذا كان جانبا الاتفاق يستطيعان استيفاء شروطه بطريقة لا تمس باللاجئين مرة أخرى، وبطريقة لا تخلق شحنة جديدة من التشكك بين تركيا والاتحاد. في الواقع تركيا أبدت موافقتها على الترتيب الذي في إطاره ستستوعب عددًا غير محدد من اللاجئين السوريين، والذي ستتلوث بسببه صورتها الدولية. الإشكالية أكيدة أيضًا في ظل كون قضية اللاجئين وسياسة الباب المفتوح التركية هي نقطة ضوء بارزة في سياستها الخارجية والداخلية، الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه مضطرًا لمواجهة دفع ثمن باهظ من غير الواضح ان المقابل له سيكون ما توقعه، وكذلك مواجهة فقدان الروافع المركزية للتأثير على ما يجري على الساحة الداخلية في تركيا.

ليس هناك علاقة مباشرة بين الصفقة الأوروبية التركية وبين الاتفاق المنسوج بين تركيا وإسرائيل، لكن ما تزال تظهر بهذا الخصوص عدد من القضايا ذات الصلة المهمة؛ الليونة الملحوظة مؤخرًا في تقولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنسبة لإسرائيل، وكذلك تقدم العلاقات الثنائية بين إسرائيل وتركيا قبيل انجاز اتفاق حول تطبيع العلاقات بين الدولتين مرتبطة مباشرة بكون الأزمة مع روسيا عززت لدى تركيا الفهم انه من الناحية الأمنية من الأفضل لها حاليا أن تخفض التوترات، وأن هناك حاجة لخلق بدائل لمصادر الطاقة الروسية والإسرائيلية والجارات التي تمتلك آبار الغاز الطبيعي على مسافة قريبة من تركيا كشريكة إستراتيجية من خلال إيجاد تعاون مقابل ومتحدي مع اليونان وقبرص يثير في أنقرة اهتمامًا متجددًا. عدا عن ذلك، حتى لو أن إسرائيل تصرفت برزانة وبالابتعاد عن كل ما يتعلق بما يجري في سوريا؛ لا يمكن إنكار كون إسرائيل لاعبًا مهمًا في أي ترتيب مستقبلي في سوريا، تلك خصائص مهمة في المفاوضات بين إسرائيل وتركيا، ويجب على إسرائيل أن تستخدمها بهدف التوصل إلى تفاهمات مع تركيا تقوم على أساس المصالح المتبادلة.

مصلحة كهذه هي مثل الكثير من الأمور نتيجة نوع جديد من الاتصالات مع الاتحاد الأوروبي، وذلك على افتراض أن الاتحاد سيبقى على هيئته الحالية. تجدر الإشارة إلى أن هذا الافتراض بات محاطًا بعلامات استفهام كبيرة إثر الانعكاسات المستمرة للأزمة المالية وانعكاسات أزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية في القارة، وكذلك الاستفتاء الشعبي المرتقب في بريطانيا بشأن البقاء في الاتحاد، ولكن تركيا ما تزال ترى موضوع "الشريكة المفضلة" (بدلًا من العضوية الكاملة) إهانة، بينما في إسرائيل مقترح "الشريك المفضل" مع الاتحاد لقاء اتفاق مع الفلسطينيين لم يثر الكثير من الاهتمام الشعبي، ولكن ما يزال مثل هذا النموذج وتحت عنوان مثل هذا أو غيره سيُحتاج لاحقًا.

الاتفاق التركي الأوروبي، ولأنه لا يستطيع أن يغطي فشل التوصل إلى اتفاق حول عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي المعروف مسبقًا، سينتج عنه مزقًا يتناسب وشراكة تركية - إسرائيلية لإنشاء منظومة علاقات بديلة مع الاتحاد الأوروبي.

x