حرب الشمال الأولى
2018-02-04 08:09:31 بتوقيت القدس (منذ 4 أشهر)

عكا للشؤون الإسرائيلية - بقلم: ناحوم برنياع

الحملة الاسرائيلية لصد إيران صعدت هذا الأسبوع إلى الأعالي. عمليا، هددت "إسرائيل" بحرب في الشمال. وكان العنوان الفوري هو بيروت، ولكن الرسالة موجهة إلى موسكو، واشنطن، برلين، باريس وبالطبع طهران.

والتهديد بالحرب احتل ليس فقط منصات الخطابة بل وتقديرات الجنرالات في هيئة الأركان أيضا. في أثناء هذا الأسبوع التقينا، توماس فريدمان من "نيويورك تايمز" وأنا مع مسؤولين كبار في الجيش الاسرائيلي في الحدود الشمالية وفي هيئة الاركان.

وتركزت الاستعراضات في جبهتين حرجتين: سوريا ولبنان، غزة والضفة. ثمة اتصال معين، مفاجئ، بين الجبهتين. وأثار الضباط انطباعا بمدى معرفتهم، قدرتهم على التحليل، وبنهجهم الواعي، الموضوعي من المواضيع المشحونة. وهناك هوة واسعة بينهم وبين الخطاب السياسي الراهن، ولكن ليس هذا هو ما اجتمعنا لأجله.

فتح البوابات هو جزء من الحملة، فالهدف هو إعداد أصحاب القرار في عواصم العالم والرأي العام في البلاد لاحتمال الحرب، ليست المبادرة إليها بل المتدحرجة، وبشكل غير مباشر الايضاح للإيرانيين بأن "إسرائيل" لا تخشى المواجهة العسكرية.

وقال أحد المسؤولين: "مطلوب أزمة تغير الفكرة". "إسرائيل" لا تتمنى الأزمات في أوقات قريبة.
لقد كانت التطورات في الشمال في مركز لقاء نتنياهو مع ترامب في دافوس وفي مركز لقائه مع بوتين في أثناء زيارته العاجلة، لخمس ساعات، هذا الأسبوع، في موسكو المجمدة. وقد ضم إلى وفده إلى موسكو رئيس شعبة الاستخبارات اللواء هرتسي هليفي، الخطوة التي أكدت جدية التهديد العسكري.

في اعقاب الزيارة وصل إلى البلاد وفد عسكري روسي لحديث إضافي.

يحاول نتنياهو اقناع ترامب، بوتين وزعماء أوروبا للتعاون في خطوة لمنع تثبيت التواجد الايراني. فصد إيران هو مصلحتهم، كما يشرح نتنياهو. إذ أن حربا جديدة في المنطقة ستورطهم. وحججه، إلى جانب رجال الجهاز الامني الذين يساندونه، تحظى بالإنصات، ولكنها صحيح حتى الآن ترد بكياسة. لا الروس، لا الامريكيين ولا الاوروبيين يتجندون للحملة الاسرائيلية. كل واحد لأسبابه. والحملة تطلق أذرعها إلى الميدان أيضا، في أعمال علنية وسرية. ويقول أحد الضباط ان "الايرانيين يفهموننا على نحو جيد جدا".

وتسير "إسرائيل" في هذه الحملة عن وعي على حافة الهاوية. والهدف هو منع الحرب، وليس إثارته، ولكن الخطر قائم. وقال واحد ممن تحدثنا معهم أن "تقديرنا هو أن احتمال الحرب المبادر إليها من جانب ايران أو من جانب حزب الله في موعد قريب متدن جدا. بالمقابل ارتفع جدا خطر التصعيد كنتيجة لخطوة عسكرية اسرائيلية. فالتصعيد من شأنه أن يؤدي إلى الحرب".
يعرف نتنياهو كيف يتحدث مع ترامب ومع بوتين. فهذا هو جمهوره، ملجأه من الضربات التي تقع عليه في الداخل. في هذه المرحلة، اللفظية، من المواجهة، هو الرجل السليم في المكان السليم.
عيون رجال المؤسسة الأمنية الاسرائيلية تتطلع أولا إلى واشنطن. في 12 ايار ينتهي الإنذار الذي أطلقه ترامب لتغيير الاتفاق النووي مع إيران. وتوجد ثلاثة أشهر ونصف للمفاوضات. يحتمل، كما يقولون، أن تكون هذه فرصة لأزمة تقلب الجرة رأسا على عقب. فبضغط ترامب، بوتين وزعماء اوروبا تتحقق صفقة رزمة: ايران تتمكن من مواصلة التمتع بثمار الاتفاق النووي، ولكن في سوريا وفي لبنان سيتعين عليها أن تلجم نفسها. لا صواريخ دقيقة لحزب الله، لا ميليشيات ايرانية في سوريا. واذا لم تكن صفقة، ومن شبه المؤكد أنها لن تكون، سيرفض ترامب التوقيع على تمديد الاتفاق النووي، وستكون لنا أزمة من نوع آخر.

السيناريو الأسوأ من ناحية "إسرائيل" سيكون عندما يقترح الاوروبيون تغييرا تجميليا، فيقنع الايرانيين بابتلاع القرص ويسمحوا لترامب بالإعلان عن النصر. وسيكون الجميع سعداء، و"إسرائيل" ستخسر مرتين، مرة حيال النووي ومرة حيال حزب الله.

شمشوم المسكين

يوم الأحد صباحا بدت البلاد من فوق مثل ايرلندا، خضراء وغارقة بالمياه. ففي الشمال كانت لا تزال تهطل الامطار المحلية، هدية وداع من عاصفة نهاية الاسبوع. وعندما تبددت السحب، بدا جبل الشيخ بكل بهائه، أبيض من أسفله حتى قمته. هدوء اولمبي ساد على طول جبهة الشمال باستثناء رصاصات الصيادين في داخل لبنان. وكانت الرصاصات بشرى سيئة للعصابير، جيدة للجنود. فطوابير سيارات المتنزهين والمتزلقين صعدت إلى جبل الشيخ للتدحرج في الثلج.
وقال لنا ضابط في الميدان: "هنا لن تكون حرب لبنان الثالثة. هنا ستكون حرب الشمال الاولى". هو وزملاؤه يتحدثون الآن عن الشمال كجبهة واحدة تمتد من رأس الناقورة وحتى اليرموك. في الجانب الآخر من الجدار تعمل قوات عسكرية لدولتين، قوة عظمى اقليمية (ايران)، قوة عظمى (روسيا)، منظمات إرهاب غير دولة، منظمة ارهاب ذات دولة (حزب الله)، قبائل وطوائف. ليس لمثل هذه الرزمة مثيل في مناطق مواجهة أخرى في العالم.

بالفعل، أمور غريبة تحصل في الجولان السوري. وقال لنا مسؤول آخر: "عمليا داعش اختفى في سوريا. بقيت آثاره فقط في قاطع واحد، في مثلث الحدود بين "إسرائيل" ، الأردن وسوريا. وقد بقوا هناك لأنهم يعتقدون بأن قرب "إسرائيل" يعطيهم مخبأً. "فإسرائيل" هي الملجأ الأخير لفلول داعش".
وحسب مصادر أجنبية، قصف الجيش الاسرائيلي في سوريا مخازن سلاح للأسد ولحزب الله، قوافل سلاح مخصصة للبنان، مصنع صواريخ بدأ الايرانيون ببنائه، قاعدة ايرانية وغيرها. وقد أتيح القصف لأن سوريا أصبحت في فترة الحرب الاهلية أرضا سائبة، بلادا عديمة السيادة، وبقدر كبير هي لا تزال كذلك. أما لبنان، رغم ضعف قوته، فليس سوريا.

الهدوء في سوريا يمر دون رد مضاد (باستثناء هجوم واحد، نسب لإسرائيل، في كانون الثاني 2015، قتل فيه جنرال ايراني وستة من رجال حزب الله. فقتل حزب الله ردا على ذلك جنديين اسرائيليين. الجيش الاسرائيلي تجلد، والطرفان أغلقا الحساب). أما القصف في لبنان فهو قصة أخرى تماما. وهو سيعتبر في العالم كمس فظ بسيادة الدولة وسيستدعي رداً قاسيا من حزب الله وتدخلا محتملا من الروس. بين الحرب والحرب، يتمتع لبنان بنوع من الحصانة. وهذا هو السبب الذي يجعل حزب الله والايرانيين يستعدون لإقامة مصنع صواريخ دقيقة في لبنان، وهذا هو السبب الذي يجعل "إسرائيل" ترى في إقامة مصنع مبررا للحرب.

إن الصواريخ الدقيقة هي صواريخ مزودة في جي.بي.اس وجهاز يحسن التوجيه. وبدلاً من الوصول إلى دقة 250 متر من الهدف، تصل إلى عشرات الأمتار والفارق عظيم. لدى حزب الله يوجد 70 ألف صاروخ في لبنان ولكن عدد الصواريخ الدقيقة قليل. والانتاج المحلي سيغير قواعد اللعب: سيهدد مباشرة مواقع حساسة في "إسرائيل". وقد حدد حزب الله بين 1.000 و 1.500 هدف كهذا، ليس أقل.

المفارقة هي أن ايران جهة مهدئة للجبهة الشمالية. ليس لها في هذه اللحظة مصلحة في حرب مع "إسرائيل" ، لا على حدود الجولان ولا على الحدود اللبنانية. وهي معنية بتسوية في سوريا، تعطي شرعية لاستمرار تواجد قواتها – 20 ألف مقاتل ميليشيا، على الأرض السورية. أما حزب الله فتبقيه إيران ليوم الأمر، حيال "إسرائيل". وتورط على نمط 2006 – اختطاف جنديين اسرائيليين تدحرج إلى حرب – يلحق بها الضرر فقط.

لا توجد ايران واحدة، فجدول أعمال الرئيس روحاني يضع على الرأس أهدافاً داخلية – اقتصادية؛ أما جدول اعمال الجنرال قاسم سليمان، قائد القوات في سوريا، فيضع في الرأس اهدافا عسكرية. وفي الجيش الاسرائيلي يعتقدون بان الدول الغربية يمكنها أن تدخل من هذا الشق وتوسعه. اسرائيل هي الأخرى يمكنها ذلك.

نصر الله غير معني بالتورط في حرب في هذه اللحظة، لأسبابه الخاصة. فأكثر مما هو عميل ايراني، هو سياسي لبناني. قرابة 2.000 من مقاتليه سقطوا في سوريا وقرابة 8.000 اصيبوا بجراح. ويعارض الرأي العام في لبنان الحرب، وكزعيم لقوة سياسية، فهو ملزم بمراعاته. ليس لديه المال، وتوجد له حملة انتخابات على الأبواب، له فيها احتمال لأول مرة أن يصل إلى أغلبية شيعية في الشمال. وهو يتذكر ما فعلته طائرات سلاح الجو للضاحية في بيروت في 2006، وهو يعرف أن هذه المرة سيكون أكثر دقة وأكثر فتكا.

البطل التناخي شمشوم، أول منفذي العمليات الانتحارية قال: "تموت روحي مع فلستين" (علي وعلى أعدائي يا رب). أما نصرالله فليس شمشوم.

إن حقيقة أن ايران، حزب الله و"إسرائيل" لا يريدون الحرب لا تعني أن النار لن تندلع. ففي الجرف الصامد أيضا لم يرغب الطرفان في الحرب ولكنهما انجرفا اليها؛ وفي الأيام الستة ايضا، وغيرها وغيرها. فللحروب في الشرق الاوسط توجد إرادة خاصة بها.

إذا كان الجميع لا يريدون الحرب، فلماذا يهدد الجيش الاسرائيلي بالحرب؟ تفسير مسؤولي الجيش الاسرائيلي يعتمد على أمرين: طبيعة اصحاب القرار في الطرف الاخر وهشاشة الجبهة الداخلية في طرفنا. فهم لا يعتمدون على احساس المسؤولية لدى الايرانيين ونصرالله. ويخافون وضعا لا يطاق في الجبهة الداخلية. فكلما كانت "إسرائيل" ميسورة وغنية وعلى علاقات مع العالم أكثر، هكذا تكون هشة أكثر. خطة نصرالله الحربية معروفة: اطلاق كتيبة كوماندو لتحتل بلدة في الحدود الشمالية، وبالتوازي، اغراق "إسرائيل" بالصواريخ والمقذوفات الصاروخية الدقيقة. وهو مقتنع من أنه بعد بضعة أيام سيتوجه الرأي العام في "إسرائيل" ضد الحكومة. وسينهي الحرب بوقف للنار وبانتصار معنوي واستراتيجي.

أو سيخلق، كبديل، ميزان رعب ومجال حصانة. "إسرائيل" لا يمكنها أن تلمسه. هذه الخيارات يسعى التهديد الاسرائيلي إلى احباطها.

نزلت عن الطاولة

برج خليفة في دبي هو البرج الأعلى في العالم. ارتفاعه 828 متر، 163 طابق. 330 الف متر مكعب من الاسمنت يوجد في هيكل المبنى. أحد ضباط الجيش الاسرائيلي الذين تحدثنا معهم هذا الأسبوع قال إنه استثمر في برج في دبي 500 طن اسمنت. من المعطيات التي نشرت على الانترنت لم اتمكن من التأكد من دقة المعطى، ولكن حتى لو كان المعطى غير دقيق، فإن تتمة الجملة جديرة بالنشر. فقد قال الضابط أنه "منذ الجرف الصامد" أدخلنا إلى قطاع غزة 16 ضعف الإسمنت الذي في برج خليفة. في هذه السنوات لم يبُنَ في غزة برج واحد، لم يُبنَ مبنى متعدد الطوابق واحد. مشوق أن نعرف إلى أن اختفى كل هذا الاسمنت".

يلتقي مندوبي الدول المانحة للسلطة الفلسطينية مرتين في السنة، مرة في نيويورك ومرة في بروكسل. وانطلق منسق أعمال الحكومة في المناطق اللواء فولي مردخاي إلى بروكسل مع خطة طوارئ هدفها واحد – منع انهيار غزة. لم يتحدث اللواء مردخاي باسمه شخصيا أو باسم الجيش بل باسم حكومة "إسرائيل". من ناحية معظم حكومات العالم، فإن غزة وسكانها غرقوا منذ زمن بعيد في البحر، أو، بالتعبير المحبب لدى الرئيس ترامب غزة نزلت عن الطاولة. غزة لا تحرك ساكنا لأبو مازن: فقد وافق على أن يحول مالا لتمويل الكهرباء في غزة 6 ساعات في اليوم فقط بعد أن أوضحت "إسرائيل" له بأنه إذا رفض، فإنها ستمول حسابات الكهرباء من الضرائب التي تجبيها عن الفلسطينيين في الموانئ.

كما أنها لا تحرك لحماس أيضا ساكنا. وزعيم حماس في غزة يحيى السنوار أوضح بأنه حتى لو فشلت مساعي المصالحة بين حماس والسلطة، فانه لن يعود لإدارة القطاع. وهذا هو أحد الاسباب التي بخلاف الماضي، تمتنع "إسرائيل" هذه المرة عن الكفاح ضد المصالحة. إذا لم تأخذ السلطة المسؤولية وحماس لا تأخذ المسؤولية فعلى من ستقع غزة؟ علينا.

المصالحة، على طريقة المصالحة بدأت باحتفال. لا يوجد أمر أكثر شعبية من المصالحة. بعد شهرين – ثلاثة أشهر وصلوا إلى البحث في المشاكل الحقيقية. 40 ألف مواطني غزي يتلقون رواتب من حماس – موظفين، معلمين، أطباء وغيرهم. فقد حلوا محل عشرات آلاف موظفي السلطة. من سيدفع لهم الرواتب عندما تعود السلطة لإدارة القطاع؟ المهم في أي من سيكون الامن؟ حماس تقترح توزيعا طوليا: كل ما هو فوق الأرض – شرطة، مراقبين، أفراد، حراس – يكون بصلاحية السلطة؛ كل ما هو تحت الارض – مقاتلين، حافري أنفاق، مطلقي صواريخ، منفذي عمليات – بصلاحية حماس. أبو مازن رفض الطلب رفضا باتا. نحن لن نكون لبنان وأنتم لن تكونوا حزب الله، يقول.

معضلة من الجنوب

تطلق محافل في حماس في الأشهر الأخيرة رسائل غير مباشرة "لإسرائيل": نحن مستعدون للتوصل معكم إلى اتفاق. أسموا هذا ما تشاؤون – صلحة أو هدنة أو تهدئة. أما "إسرائيل" فتمتنع عن الرد – أيديها مكبلة. وفي هذه الأثناء تحتدم المشكلة الاقتصادية في القطاع. قطر، التي كانت المتبرعة الرئيسة، تغلق مشاريع. ويأتي المال القطري عبر "إسرائيل" ويوجد تحت الرقابة. وهكذا أيضا المال غير الكبير الذي يأتي من تركيا. أما إيران فتساهم بدورها بمال مهرب.

قصة الاونروا تجسد عناصر المعضلة. فالأونروا هي فضيحة طويلة السنين. لا يوجد مثال في العالم بمكانة لاجئ في الجيل الرابع أو الخامس. وتخليد مكانة اللاجئ يستدعي التبذير والفساد والصلوات، ولكن ضرره الاكبر هو في مساهمته في تخليد النزاع. ترامب محق في هجومه على المنظمة.
ولكن 850 ألف غزي يتلقون مساعدة من الاونروا. 230 ألف تلميذ يتوجهون كل يوم إلى مدارسها في القطاع. وهي تعيل في غزة 21 ألف موظف و8 آلاف معلم. في اثناء الحملات العسكرية في غزة وجد السكان ملجأ في مؤسسات المنظمة. وهكذا سمحت للجيش الاسرائيلي بضرب الاهداف في ظل مس أقل بالمدنيين.

قبل اغلاق الاونروا، ينبغي الحرص على إطار يشغل مكانها. ترامب لا يهمه، فهو لا يعيش هنا، ولكن في الجيش الاسرائيلي قلقون. قلقون من أن يؤثر التقليص في المساعدات على سلوك الفلسطينيين في الاردن. 117 ألف تلميذ يتعلمون في مدارس الاونروا في الأردن. ليس صدفة أن نتنياهو يمتنع عن الدعوة إلى تصفية الاونروا الآن. فقد تحدث عن بداية مسيرة.

كتبت في المقدمة أنه يوجد اتصال مفاجئ بين جبهة الشمال وجبهة غزة. الاتصال هو رسالة: ضابط تحدث عن تهديد الحرب في الشمال، لاحظ أن المواجهة التالية في غزة ستتم بطريقة تطلق رسالة رادعة لحزب الله وايران. فالغزيون سيدفعون الثمن.

الناطق الاكثر حزما

2018 هي سنة الحكم الاخيرة لأبو مازن. بمعنى معين، اليوم التالي لأبو مازن بات هنا، في معمعان الشائعات المعتمل في رام الله، في البوادر الاولية لحرب الوراثة. الاسابيع الاخيرة كانت جيدة لأبو مازن وكانت جيدة لنتنياهو - لذات الاسباب. فاعتراف ترامب بالقدس حرر نتنياهو من ضغوط أمريكية. ويمكن للحكومة أن تبني في القدس وفي المستوطنات دون خوف. وهي معفية من النزاع الداخلي الذي كان سيثور في ضوء خطة السلام الامريكية.
أبو مازن هو الآخر سعيد. شرق القدس هي اجماع، في الشارع الفلسطيني وفي الشارع العربي. فالاعتراف بالقدس حرره من الحاجة لان يقول لا لخطة سلام امريكية. فعندما يتهم ترامب في عرقلة المفاوضات فإنه يشعر بأمان: معظم العالم يقف خلفه.

إن المقاطعة التي أعلنها ابو مازن على الادارة الامريكية هي مقاطعة مطلقة. فقد تجول مبعوث السلام الامريكي جيسون غرينبلت هنا في الأيام الاخيرة، تجول في غلاف غزة والتقى الكثير من الاسرائيليين، ولكن لم يكن له أي اتصال مع رجال السلطة. القنصل الامريكي في القدس مقاطع هو الاخر. والوحيد الذي يقيم اتصالا مع السلطة هو الجنرال أريك فندت، الرئيس الجديد لوحدة المساعدة الامنية للفلسطينيين. وعندما سيتعرفون في البيت الابيض على وجود هذه الوحدة، فإنهم سيلغونها هي أيضا وسيوفرون حتى 150 مليون دولار في السنة.

بدون مال، بدون لقاءات، فإن التأثير الامريكي على السلطة صفري. لا غرو أن أبو مازن يبحث عن وسطاء في أوروبا ليكونوا قصة الغطاء له لتجميد المفاوضات، ونتنياهو يشرح للجميع بأنه لا توجد مفاوضات بدون أمريكا. نحن في مرحلة لعبة اللوم.

استدعي أبو مازن في الاشهر الاخيرة مرتين لمحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي عرض عليه المال وطلب بالمقابل موافقة فلسطينية على المفاوضات برعاية ترامب. ما الضير في عاصمة في القدس، سأل السعودي. مشكوك أن يكون يعرف أين أبو ديس على الخريطة – فقد سمع الاسم من الامريكيين. أبو مازن أجاب: المال أحتاجه، ولكن عن القدس لن أتنازل. وانتهت اللقاءات بلا شيء.
الخوف مزدوج: واحد، في أن الخطابات القاسية لأبو مازن ستترجم إلى خطابات أقسى للمنافسين على الوراثة، والشارع سيفهم الاشارة، وعملية ارهابية من مصنع فتح ستنطلق على الدرب. فيجتمع الكابينت الاسرائيلي ويقرر، بخلاف موقف الجيش الاسرائيلي، إعادة اقامة الحواجز، إلغاء تصاريح العمل، وفرض عقوبات جماعية.

الخوف الثاني هو أن يعلن أبو مازن عن حل السلطة. والآثار الأمنية واضحة.
توجد "إسرائيل" في فترة جيدة في علاقاتها مع الدول السُنية. وحتى الضعف الامريكي هو بشرى طيبة في المدى القصير. عندما تكون السياسة الخارجية الامريكية في تراجع، ولا توجد جهة امريكية جدية يمكن الحديث معها، فان رؤساء الدول يرفعون عيونهم الى نتنياهو. فهو يمكنه ان يؤثر على ترامب، يمكنه أن يؤثر على بوتين، هو الناطق الأكثر طلاقة، الأكثر حزما، للحكام السُنة في العالم (باستثناء واحد، السُني من رام الله). وحتى مع الصين، اللاعب الذي سيدخل الساحة في السنوات القادمة له حديث. في الجيش الاسرائيلي يقدرون بأنه في غضون خمس سنوات الصين ستكون متدخلة عميقا في الاقتصاد والسياسية في الشرق الاوسط. وهدفها الأول سيكون الحصول على نصيب من الاستثمارات الهائلة في اعادة بناء سوريا الخربة.

إذا كان كل شيء جيد على هذا النحو، فلماذا يكون الجميع قلقين؟ الجواب يوجد ربما في بيت من قصيدة لحاييم غوري:"حرب أخرى تحسد منذ الآن سابقتها تجمع البكاء في الهواء".