مقال مترجم - هآرتس

تظاهرات غزة كشفت الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي
2018-04-12 10:12:00 بتوقيت القدس (منذ 3 أشهر)

عكا للشؤون الإسرائيلية – نائل عبد الهادي

مقال مترجم بقلم: تسيفي برئيل – هآرتس

كم عدد الفلسطينيين الذين قتلوا يوم الجمعة الماضية؟ وكم عددهم يوم الجمعة الذي سبقه؟ كم عدد المصابين؟ عندما تصبح الإحصائيات مؤشراً إلى النصر، يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يسجل إنجازاً هائلاً.

لقد قتل الجيش الإسرائيلي خلال هذه التظاهرات 29 فلسطينيا، وأصاب حوالي 1300، بينما لم يقتل الفلسطينيين أي إسرائيليا، ولم يتم إخلاء أي مستوطنة يهودية، وبقي السياج الذي يفصل غزة عن "إسرائيل" كما هو، وقامت بنادق القناصة بعمل جيد يوم الجمعة، ولم تكن هناك حاجة لتدخل الدبابات أو المدافع.

 في يوم الجمعة القادم سيتم مرة أخرى، شحذ التوجيهات للحفاظ على طهارة السلاح وأخلاق الجيش، وعدم تجاوز نطاق عمليات القتل والإصابات التي اعتدنا عليها. في الأسبوع الثالث من تظاهرات مسيرة العودة، من أصل ستة أسابيع مخططة، تتلاشى الدراما وتتبخر.

شارك في هذه المسيرة حوالي 30.000 نسمة فقط من سكان القطاع، البالغ عددهم مليوني نسمة. وتحولت الثورة الكبيرة التي حذر منها الجيش الإسرائيلي إلى عرض نهاية الأسبوع. ولا تزال الضفة الغربية هادئة، ولم يتم التبليغ في الدول العربية عن خروج الحشود للتظاهر.

الطريقة التي تعتمد عليها الحكومة الإسرائيلية تعمل بنجاح، و"إسرائيل" تصور للجميع أن الوضع الراهن يجب أن يستمر، ويجب أن يستمر معه الإغلاق والحصار، كما كان قائما قبل المظاهرات، وهذا هو الهدف المنشود، فإن الإغلاق يجب أن يستمر، ليس لأنه يوقف "الإرهاب"، بل لأنه يمثل هيبة دولة "إسرائيل" وقدرتها على الحفاظ على الهدوء في غزة، بدون أي ثمن من "إسرائيل"، لكن الثمن ضخم. ويتم جبايته فقط على أقساط مريحة لسنوات.

طوال 11 عامًا تقريبًا، يوافق المجتمع الإسرائيلي على عيش حوالي مليوني فلسطيني إلى جانبهم، وهم على شفا كارثة إنسانية. وينفي رئيس الأركان، غادي أيزنكوت، وجود أزمة إنسانية في غزة، وويقول أن هناك توجد أدوية ويوجد غذاء، والناس لا يموتون من الجوع، بل فقط من الرصاص.

غزة ليست سورية ولا الصومال. غزة تختنق بكيس بلاستيكي على رأسها، لكننا أبقينا لها ثقبا للتنفس، حتى لو كان هناك نقص فادح، فإن الحكومة الإسرائيلية تقنع نفسها بأنها ليست مسؤولة عن ذلك، وإنما حماس.

"إسرائيل" أيضا ليست مسؤولة عن المذبحة في سورية أو الأزمة الإنسانية التي يعيش فيها ملايين المواطنين السوريين، لكن بعض أجزاء المجتمع الإسرائيلي على استعداد لإظهار التعاطف مع هذه المعاناة، على الأقل، حتى لو بالكلام.

ويتطوع الإسرائيليون للمساعدة في جميع أنواع الثقوب البعيدة في العالم، لإزالة الأنقاض التي تسببت بها الزلازل أو تقديم الأدوية للمحتاجين. لكن في غزة لا يوجد أناس يريدون التعلم، وكسب لقمة العيش وتربية الأطفال، ففي غزة تعيش بنادق، كما تشرح الحكومة أخلاقياتها لمواطنيها. في غزة تعيش القنابل والعبوات الناسفة والأنفاق والقتلة. هذه دولة عدو لا يستحق سكانها ذرة تعاطف إنساني.

الشخصيات الإسرائيلية الصالحة مستعدة للخروج والتظاهر من أجل استمرار وجود حوالي 30.000 ملتمس للجوء في "إسرائيل"، ولكن متى جرت آخر مظاهرة ذات مغزى من أجل طفال غزة؟

المجتمع الإسرائيلي محاصر داخل نفسه إلى حد تعفن قيمه الإنسانية وتفككها. لم تعد الحكومة في "إسرائيل" بحاجة إلى تهديد من يجرؤ على التعبير عن تعاطفه مع معاناة سكان غزة. فلقد حفر المجتمع الإسرائيلي لنفسه قناة المجاري النتنة التي يسبح فيها بمتعة.

إنه مجتمع يصدمه فساد حكامه، ويعرف بالضبط مقدار الأموال التي سرقها قادته، لكن البند الرئيسي غائب وسيغيب عن لوائح الاتهام. هذا هو البند الذي يتعلق بتدمير المجتمع، بتبخر الصورة البشرية، وتمجيد فوهة بندقية القناص. هذه حكومة تتسبب بخلق أزمة إنسانية، ليس لدى الفلسطينيين، بل في المجتمع الإسرائيلي.