مقال مترجم لـ"هآرتس"

"قبضاي الحارة والحرب القادمة"
2018-05-12 16:37:00 بتوقيت القدس (منذ شهر)

بقلم: عوفري أيلاني - هآرتس 09 .05 .2018

ترجمة - مؤمن مقداد

...............................................

لماذا نشب الصراع الحالي بين "إسرائيل" وإيران؟ في الأسابيع الأخيرة سرعان ما أصبح التصعيد المتنامي في العلاقات بين البلدين أمرًا واضحًا, لكن يجب أن نتذكر أن القضية الإيرانية تتصاعد وتهبط من الأجندة العامة, في السنوات 2016-2017 بعد موافقة القوى النووية على الاتفاق النووي, أُزيل التهديد الإيراني من مركز الاهتمام, وحتى من خطابات نتنياهو وبالتالي ليس من الواضح ما الذي أدى إلى زيادة كبيرة في التوتر بين القدس وطهران التي تفصلنا عنها ما يقرب من ألفي كيلومتر.

يقدم المعلقون جوابين رئيسيين على السؤال, أحد الجوابين يعزو المسؤولية إلى إيران ويعتقد أنها تعزز برنامجها النووي سراً أو على الأقل تسعى لتحويل سوريا إلى موقع متقدم لها, ووفقا لذلك تهدف هذه التدابير في النهاية إلى تدمير دولة "إسرائيل" لكن إيران اتخذت في الماضي إجراءات مباشرة أو غير مباشرة ضد "إسرائيل" ومع ذلك لم تكن المواجهة العسكرية على جدول الأعمال, الجواب الآخر يرى تصاعد التوتر كخطوة مناورة من قبل نتنياهو لتحويل الانتباه عن تحقيقاته الجنائية, لكن هذا الجواب لا يفسر سبب دعم هذه الخطوة على نطاق واسع من قبل الجيش ومن وسائل الإعلام والرأي العام ولا يثير حتى المعارضة.

ولكن يمكننا أن نقدم تفسيرا مختلفا للصراع وهو مختلف عن تلك المذكورة, إن سبب المواجهة مع إيران ليس نظام آية الله, وحتى أيضا ليس تحقيقات نتنياهو, لقد دخلت "إسرائيل" في صراع مع إيران لأنها - إسرائيل - أصبحت قوية جدا وفي هذه الحالة تشعر "إسرائيل" بأنها مستعدة لمواجهة منافستها كقوة إقليمية, وإيران من جانبها تشعر بأنها مهددة أكثر من ذي قبل, تقع المواجهة مع إيران على الجانب الآخر من أجواء الغطرسة التي أظهرتها "إسرائيل" في الأشهر الأخيرة, بعد النجاحات الدبلوماسية وبالدرجة الأولى قرار ترامب بنقل السفارة إلى القدس, وبعد هزيمة الفلسطينيين (على الأقل في الجولة الحالية) تحتاج "إسرائيل" إلى مستوى أعلى من العدو ومن يشغل هذا الدور هو "إيران".

ما الذي قاد البلدين إلى مسار تصادمي؟ بدأ المشروع النووي الإيراني في عهد الشاه وبدأ العداء بين البلدين بعد الثورة الإيرانية قبل نحو 40 سنة, لكن في منتصف التسعينيات فقط بدأت القيادة الإسرائيلية بالاهتمام بشكل كبير بالتهديد النووي الإيراني وكان اسحق رابين هو الذي وضع القضية على جدول الأعمال في محاولة لإقناع الجمهور الإسرائيلي بضرورة التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين وقد جادل رابين بأن الانسحاب من بعض المناطق -الفلسطينية- يشكل خطرًا صغيرًا نسبيًا من المرجح يدفع عملية السلام مع الدول المحيطة بنا وكل هذا لأنه في الأفق البعيد ينتظر تهديد الدائرة الثانية وهي "إيران", رابين لم يكن ينوي شن حرب ضد إيران لكنه استخدمها كحجة للسلام لكن "التهديد الإيراني" لا يزال مطروحا على الطاولة وزادت إيران دعمها لحزب الله وحماس وغيرها من القوى التي تحارب "إسرائيل".

في هذه الأثناء تبددت رؤية السلام تحت هزات ارتدادية في المنطقة يدعمها ترامب فقد نجحت "إسرائيل" في تحصين قوتها السياسية في المنطقة حتى بدون سلام والتعاون مع المملكة العربية السعودية ومصر والأردن, ونتيجة لذلك يتزايد طموح "إسرائيل" لاحتكار السلطة في الشرق الأوسط, وفي خطابه بمناسبة عيد "الاستقلال" أعلن نتنياهو أن "إسرائيل" أصبحت "قوة عالمية صاعدة" ووعد بأن الإعجاب "بإسرائيل" أصبح من بعض الدول العربية أيضًا وفي الواقع نتنياهو يجدد الرؤية المشؤومة للشرق الأوسط الجديد حتى لو كان بنسخة جديدة وعدوانية تتكيف مع العصر الحالي.

لكن لا تتوقع من "دولة الليكود" أن تستريح وتستمتع بثمار نجاحها فقط لأنه الآن بعد أن هزيمة الفلسطينيين ظاهريا تشعر "إسرائيل" بأنها مستعدة للتعامل مع التهديد الإيراني البعيد وهذا الهدف يلائم إيديولوجية جنون العظمة لدى نتنياهو ومن هو مقتنع بأن مهمة "إسرائيل" هي قيادة الحملة العالمية ضد الإسلام الراديكالي ومن الواضح أن هذا يزيد من مستوى الضغط في إيران الذي يتخذ خطواته الخاصة لتحسين موقعه الاستراتيجي.

شرح المؤرخ الأثيني ثوسيديديس في كتابه "تاريخ الحرب البيلوبونيسية" سبب الحرب بين المدن اليونانية "اسبرطة وأثيناط ووفقا للمؤرخ الأثيني فإن السبب الحقيقي للحرب كان تعاظم أثينا مما تسبب بالخوف لدى اسبرطة وأجبرها على الذهاب للحرب وعندما يتم خلق مثل هذا الموقف كل ما يتطلبه الأمر هو مباراة صغيرة لشن حرب كبيرة.

تغيير جذري في توازن القوى يمكن أن يؤدي إلى الحرب حتى لو لم يكن هناك سبب واضح للمواجهة ومن الأمثلة على نفس القدر من الأهمية, العلاقة بين روسيا وألمانيا في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى حيث لم يكن هناك تنافس إيديولوجي واندلعت الحرب بينهما من تغيير في ميزان القوى بسبب سيطرة روسيا على المنطقة الأوروبية , شعرت ألمانيا أنها محاصرة واعتقد "طرف مسيطر" في قيادتها -ألمانيا- أنه ينبغي أن يتم اتخاذ إجراءات وقائية قبل فوات الأوان وكان اغتيال الوريث النمساوي مجرد ذريعة.

في معادلة الشرق الأوسط ليس من الواضح من الذي يلعب دور الإمبراطورية الألمانية لكن الحجة التي يستخدمها نتنياهو تشبه إلى حد كبير الجدل الذي قام به الجنرالات الألمان منذ أكثر من قرن من الزمان, تقوية "إسرائيل" والخوف من قوة إيران المتنامية بعد رفع العقوبات والفراغ في سوريا, يخلقان نظاماً من القلق على الجانبين يكثفان بعضهما بعضاً ويضاف إلى هذا السبب المستمر للحروب: ألعاب القوة بين القادة الذكور.

مثل لاعب كمال أجسام يمارس رياضته في صالة الألعاب الرياضية ويقرر أنه يجب رفع المزيد من الوزن كما اللاعب الذي يتغلب على المرحلة الأولى ويتسابق على المرحلة الثانية - لذا فإن "إسرائيل" تصارع بالمواجهة ضد القوة الإقليمية , إنها تعتقد أنها ستخرج من المعركة أكثر قوة وستكون قادرة على فرض رغباتها العميقة دون انقطاع.

لكن ليس من الواضح ما إذا كانت "إسرائيل" قوية كما نتصور , هي قوية نسبيا وبشكل رئيسي يرجع ذلك إلى حقيقة أن قوى أخرى في المنطقة قد انهارت وفي لحظة الاختبار قد يتضح أنه كان عليها أن تتنافس مع الصغار.