لماذا لم يرد الجيش الإسرائيلي على البالونات الحارقة؟
2018-06-25 12:59:00 بتوقيت القدس (منذ 3 أسابيع)

سوزان حنا - عكا للشؤون الإسرائيلية

على حين غفلةٍ من مستوطنيها تسقط، وبتحكمٍ من مصنعيها تنطلق، وسحب الدخان في السماء تنذر بأنها أشعلت الأرضَ حريقاً، هذه باختصار الطائرات الورقية أو البالونات الحارقة، التي تنطلقُ يومياً من قطاع غزة باتجاه مستوطنات الغلاف، لتذكرَ من أرادَ أن يتذكر بأن للأرضِ أصحابٌ حُرموا من خيراتها، فلن يتركوا لغيرهم سَلب ثمارها.

ثلاثة شهور متواصلة على هذا الشبح الطائر، استنفذت فيه كلُ القوى والعقول الإسرائيلية لإيجادِ الحل الأمثل لاعتراضها، مؤتمرات علمية، وشركات صناعات عسكرية، خبراء في شتى المجالات، جميعهم وعدَ وأوعدَ وتوعدَ، لكن بقعة النار في الغلاف توسعت، طلبات الاستنجاد زادت، لم يبقَ أمامهم إلا التحكم في الرياح، لتعيق طريقها أو تحرف مسارها صوب البحر.

القوة العسكرية مع قطاع غزة تحتاج لمغامرٍ مقامرٍ لا يخشى ألسنهَ المعارضين وجنرالات التحقيق، لأن الفشل نتيجته المعتاد عليها منذ سنوات، فثلاث حروب كانت كفيله لإقناع أشد المتشددين على أن غزة المكان الوحيد الذي أحرج جُل القيادات الإسرائيلية أمام العالم وأطاحت بأعمدة الدولة العبرية عن كرسي الحكم.

الجيش تراجع بهدوء

المختص في الشأن الإسرائيلي محمود مرداوي، أكدَ لموقع عكا أن الموقفَ الإسرائيلي من البالونات الحارقة كان متبايناً وظهرت فيه خلافات واضحة بين جزء من أعضاء "الكابنيت" من اليمين والجيش، الذي لم يجد مبرراً للدخول في حربٍ مدمرة مقابلَ منع خطر محدود، وإن كان حجمُ الاحتجاج على استمراره من المستوطنين كبيراً.

وأوضح مرداوي أن التصريحات الأخيرة التي صدرت في الإعلام العبري المتعلقة بالطائرات الورقية والبالونات، "مفتعلة ومبرمجة"، كان يرجى منها إرهاب المقاومة وانتزاع مواقف تكتيكية تتعلق بقواعد اللعبة، لكنَ المقاومة كانت بالمرصاد، نظرياً من خلالِ الخطاب الإعلامي وعملياً من خلال الرد، وأفشلت هذه المحاولة، وبالتالي تراجعَ الجيش بهدوءٍ عن تهديداته التي أصلاً لا يعتقد بصحتها، لكنها عبرت عن أولويات اليمين في "الكابنيت" .

ويرى مرداوي، "إسرائيل تعتقد أن تحويل الاهتمام إلى البالونات على حساب الحراك الجماهيري يخدمها، ولكن في المقابل لا تريد توسيع مساحة المناورة حتى لا تجد نفسها في المكان الذي لا تريد أن تصل إليه"، وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي غير مستعد لدفع ثمن حرب جديدة في الوقت الحاضر، وإعاقة مسار الحل الإقليمي، وبالتالي تشكلت موانع قيدت "إسرائيل" في الرد، لكن هذا موقف قابل للتغيير في اَي لحظة بناء على المستجدات، والتي تمتاز بسيولة في منطقة الجنوب.

لسببين امتنع الرد

بدوره أعرب الباحث في شؤون الأمن القومي الفلسطيني خالد النجار في اتصال أجراه معه موقع عكا أن البالونات الحارقة ظاهرة أمنية اخترقت الحدود وكل الدفاعات الجوية الإسرائيلية وأصبحت تشكل قلقاً واسع النطاق لدى سكان الغلاف، والذي بدوره انعكس على اجتماعات الحكومة الإسرائيلية والتي عجزت دون اتخاذ قرار لحسم الموقف على حدود غزة، والذي يأخذ بالتصعيد تدريجياً نحو آفاق لا يمكن تحديدها في المرحلة الحالية، والتي تشهد زيارة المبعوث الأمريكي "كوشنير" للمنطقة واللقاءات العلنية والسرية مع قادة الأنظمة العربية ورئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتانياهو" لتنفيذ ما يسمى بــ "صفقة القرن".

وأوضح النجار أن هناك عاملين أساسيين منعا الجيش الإسرائيلي من الرد على البالونات الحارقة، خوفاً من الانحدار إلى مربع المواجه العسكرية في القطاع، تمثلا فيما يلي:

أولاً: عدم استكمال بناء الجدار الإسمنتي التحت أرضي على حدود غزة، والذي يحتاج فعلياً لسنة كاملة لإتمام بناءه، وهو مُعد خصيصاً لمواجهة الأنفاق الأرضية، وعمليات التسلل خلف الخطوط والتي أحدثت تصدعاً كبيراً في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي وعقيدته العسكرية والأمنية خلال حرب يوليو 2014م.

ثانياً: زيارة المبعوثين الأمريكيين "كوشنير و جرينبلات" للمنطقة، واللقاءات العلنية والسرية مع قادة الأنظمة العربية و"بنيامين نتانياهو" لتنفيذ ما يسمى بــ "صفقة القرن" والتي تقضي بإقامة دولة يهودية كاملة السيادة على أراضي الضفة الغربية، وترحيل الفلسطينيين إلى عدة أماكن منها الأردن وسيناء، وإقصاء القضية الفلسطينية، وإنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي، وتجديد الدعوة لإبرام هدنة طويلة المدى في قطاع غزة، مقابل تحسين الاقتصاد ورفع الحصار تدريجياً، والافراج عن الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية.

بين تحليلات المختصين وتهديدات الجيش الإسرائيلي، تزداد حدة النيران في مستوطنات غلاف غزة، وتزداد معها أصوات الاحتجاجات ضد صناع القرار في "إسرائيل"، مطالبين بإيجاد الحلول بأي ثمن، فهل نحن أمام حلول سلمية تَهدأ فيها شعلة النار الموقدة؟، أم هو الانفجار الحتمي في المنطقة برمتها؟، هذا ما ستكشف الأسابيع والأشهر القليلة القادمة.