مقال: حساسية المرحلة وفوضى المنحة

الخميس 24 يناير 2019 - 11:45 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية- عبد الرحمن القيق

في ظل عدم الاستقرار في ترتيب الأولويات مع "إسرائيل" وتزايد مرات التصعيد الإسرائيلي ضد غزة لاعتبارات كثيرة..

لا شك أن غزة في موقف شائك وحرج، وتطالها أيدي ونوايا كثيرة منها الشريرة، ومنها غير ذلك، من خلال اطلاعي على الشأن السياسي الإسرائيلي تحديداً فمن الواضح أن التوجه العام لدى الجيش الإسرائيلي ورئيس الحكومة هو عدم التصعيد، وهذا أيضاً يبدو أولوية لدى فصائل المقاومة وحماس تحديداً..

ورغم ذلك تستمر قضايا التصعيد ولا تنتهي وهذا راجع الى عدة عوامل:

العامل الأول: حساسية الوضع الإسرائيلي الداخلي لدى نتانياهو في الانتخابات، والحجم الضخم من المزايدات عليه، وهذا نابع من الظرف السياسي وملفات الفساد التي تلاحقه، وتعقيدات وضع غزة في الأولويات الإسرائيلية، ويمكن حصر تلك الأمور الضاغطة على نتانياهو بالتالي:

1.       الأحزاب المعارضة (اليسار واليمين).

2.       مستوطنو غلاف غزة والمظاهرات المستمرة ضد نتانياهو.

3.       عائلات الأسرى الإسرائيليين والتحريض اليومي ضد نتانياهو.

4.       الصحافة الإسرائيلية، وموقفها المعروف ضد نتانياهو، لدرجة أن الليكود خرج بوقفات احتجاجية على بعض الصحفيين وكان الشعار ضدهم (ليس أنتم من يقرر).

5.       المنحة القطرية والتي توافق اسرائيل على إدخالها والتي تُشعر نتانياهو بالحرج أمام خصومه، لأنها تبدو في المشهد وكأنها رشوة لحماس مقابل الهدوء في غزة، فهو واقع في مأزق ما بين ادخال المنحة للوصول الى هدوء في غزة، أو التصعيد والرد، لذلك يسعى نتانياهو لتهدئة جبهة غزة حتى يتفرغ لخصومه.

 العامل الثاني: الخطاب المزدوج لفصائل المقومة، فهي تريد دخول المنحة القطرية، وفي نفس الوقت تريد مسيرات العودة، ولكن على ايقاع ناعم وهادئ، وهذا الأمر يتطلب عملية ضبط في سلوك وتحركات الجمهور ضد الجيش، وخصوصاً جمهور الفصائل، لكن اللغة التي يتلقاها الجمهور لا تزال اللغة التي لا تحقق هذا الهدف، وتظهر الفصائل وكأنها لا علاقة لها بالأمر، وأن المشروع هو مشروع حماس، وتصبح الصورة والمشهد العام وكأنها لم توافق على التهدئة مقابل المنحة، وهذا يخلق تناقضات لدى الجمهور، فالأمر يقتضي الصراحة والوضوح وإقناع الناس بالرؤية السياسية لفصائل المقاومة، والخطاب الإعلامي القوي والواضح والمعبر عن الموقف السياسي دون تردد.

والجانب الخطير في الأمر أن هناك أذرع عسكرية أحياناً يكون لها مزاجها الخاص بخلاف القيادات السياسية، وهذه الأذرع لا تخضع بكليتها للقيادات السياسية في الفصائل، وبعض القيادات السياسية أحياناً تحاول أن تتقرب وتخطب ود القيادة العسكرية ومن هنا تصدر بعض السلوكيات والممارسات التي تخرج عن المتفق عليه، وتضع القيادات السياسية في حرج وفي موقع التبرير والتفسير، والحقيقية أن هناك قوى عسكرية باتت لها الجزء الأكبر من القرار داخل الفصائل، وظهرت عدة فصائل وكأنها برأسين وليس برأس واحد.

العامل الثالث: الجماهير والشرائح المستفيدة من المنحة ومن حالة الهدوء، والتي تقع فريسة الخطاب الإعلامي الفصائلي المتناقض، والمضلل أحياناً.

فهي لا تعرف هل تحقيق المنحة القطرية هو انجاز للمقاومة ولمسيرات العودة، أم هي مأزق وشكل من أشكال الإهانة لأهل غزة، الخطاب الإعلامي غير واضح، فالبعض يشعر أن المنحة مساعدة فقط، وهناك من يرى أنها انجاز للمقاومة وثمرة من ثمرات مسيرات العودة، التي بدأت تحقق أهدافها، وهي ليست منة من أحد، بل هي جاءت نتيجة صمود الشعب وثباته في مسيرات العودة واستخدام كل طرق النضال والارهاق للعدو الصهيوني واستنزافه، فلولا الحشود ووحدات الكوشوك والطائرات الورقية المتفجرة واستباحة الحدود والسلك الزائل وغيرها، لما تحرك من الوسطاء أحد لصالح غزة،  والذي يخجل من المال الأصل هو الإسرائيلي، الذي ينقله عبر وسطائه لغزة، وهو يبحث عن طرق لا تظهر فيها صورة الشنطة حين دخولها، لأن المعارضة الإسرائيلية تتهمه بأنه يقدم رشوة لحماس كي تجلب له الهدوء مقابل المال، هذا جانب، ومن جانب آخر أن المقاومة لم تقدم له أي تنازل في الاستراتيجية وفي الثوابت، بل هي تناور في المستوى التكتيكي السياسي والتكتيك المقاوم، فهي لا تعترف بإسرائيل ولا بكل حلول التسوية، التي قبلت بها السلطة مقابل المال وباتت تعمل أقل من شرطي لإسرائيل في المقاطعة وتخطب وده ورضاه مقابل المال، فيما المقاومة في غزة حينما لا يلتزم الجيش تضربه ، وتعلن أن القصف بالقصف، كما لا تخشى أن تقول لعملائه من يسلمنا وحدة متسللة من الصهاينة فله العفو ومليون دولار مكافأة. فالمناورة تكتيكياً في وتيرة مسيرات العودة دون انهائها ما بين الخفض والعلو هي نوع من إدارة المعركة، ولا يمس بالمبادئ والاستراتيجية لدى المقاومة. ولكن المطلوب اظهار قدرة عالية في السيطرة على المشهد بحيث تبقى الأمور تسير وفق رؤية وهدف واضح.

فالمقاومة أسست لقواعد اشتباك متقدمة وخلقت واقعاً جديداً معادياً لإسرائيل أفقده القدرة على الردع فغزة ليس لديها ما تخسره، والجيش يعرف ذلك وما تملكه هو كرامتها ودونها الموت والتضحية.

x