مقال: رواتب الأسرى.. النار على صندوق الانتخاب

الثلاثاء 12 فبراير 2019 - 02:21 مساءً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية - بقلم: ياسر مناع 

اجتهدت “اسرائيل” على مدار سنوات احتلالها أن تنتزع الحس الوطني من الوجدان الفلسطيني بشتى الطرق والوسائل، بدءاً بالترغيب ومحاولة التواصل مباشر مع المواطن الفلسطيني في حالة من نوع إيجاد الثقة المستحيلة بينهما سواء عن طريق الجيش وضباطه، أو عبر التجارة وما رافقها، وليس انتهاء بالترهيب والحصار والضغط، ولاسيما في الأمور الحياتية، ويعود نجاحها في ذلك الى قدرتها على بلورة وتمرير الاتفاقيات التي تخدمها في أزمنة وأحداث مع السلطة الفلسطينية.

لم تكن عاصفة قطع رواتب الأسرى والشهداء والجرحى، وليدة اللحظة واليوم، بل كانت نتاجاً لسلسة خطوات متتالية غُلفت على هيئة ضغوطات من شخصيات رسمية وغير رسمية على الحكومة الاسرائيلية، مروراً بتشريعات الكنيست في هذا لشأن.

اختار نتنياهو هذا التوقيت للموافقة على اقتطاع الرواتب من أموال عائدات الضرائب قصداً، ففيه من المكاسب السياسية ما فيه، بالإضافة الى أنه انجاز جديد سيقنع به الجمهور الاسرائيلي، أو إن صح لنا القول سيكسب به صوت الناخب الاسرائيلي، وفيه ايضا تلميح بإمكانية تمرير قانون اعدام المقاومين، الذي يسعى بعض النواب في الكنيست الى سنّه أمثال افغيدور ليبرمان.

بالتزامن من التحذيرات التي يطلقها ” الشاباك ” حول امكانية اندلاع مواجهة جديدة في الضفة، يواصل نتنياهو اصراره على اقتطاع تلك الأموال، لأنه ييقن بأن الحالة الراهنة في الضفة الغربية لن تفرز مواجهة جديدة، لا سيما في ظل الانقسام الداخلي الفلسطيني وما ترك من وقائع مؤلمة، مضافاً إليها الاوضاع الاقتصادية الآخذة بالانحدار، والأعباء المعيشية الملقى على كاهل المواطن البسيط، عدا أن غياب الفعل الفصائلي في الساحة، وسياسية التفرد بالقرار والعمل البعيد كل البعد عن المقاومة الفاعلة لها أثر بالغ في تطبيق مثل هذه القرارات، بالإضافة الى العلاقة القوية التي مهد لها نتنياهو في الغرب وافريقيا وفي الدول العربية لامتصاص خطوات كبيرة كهذه.

لكن لا أدري إذا ما استحضر نتنياهو قبل اقدامه على هكذا القرار مشهد الاطارات المحترقة في وسط شوارع الضفة، أم صورة ناخب يدلي بصوته في صندوق الاقتراع ويرتدي طاقة خط عليها شعار الليكود.

في حقيقة الأمر، الكرة الان في ملعب السلطة الفلسطينية، ومن قبلها الفصائل بكافة اطيافها، لكن من الواضح بأن الاولى قد اختارت الحلول الموضعية، حيث قررت قطع رواتب بعض الأسرى من خارج اطار المنظمة، وإن كانت تلك الخطوة سترضي ”اسرائيل” مؤقتاً، إلا أنه لن يثنيها في الكف عن مشروعها حتى تقطع كآفة المخصصات لعوائل الأسرى والشهداء والجرحى من كآفة ألوان الطيف الفلسطيني، والجدير ذكره بأن معدل الرواتب التي دفعتها السلطة الفلسطينية في الشهر الماضي بلغت قرابة 230 مليون شيكل.

ختاماً، من الواضح بأن هذا القرار سيدخل حيز التنفيذ وسنشهد خطوات متلاحقة تباعاً – ما لم يكن هناك موقف فلسطيني حازم على الأرض – ، كل ذلك ينبع من استراتيجية قديمة مغلفة على صورة انجاز سياسي يقدم على مائدة الدعاية الانتخابية لنتنياهو، ويأتي في إطار عملية متواصلة لإخفاق الحركة الوطنية وتغيير وعي الناس، بالإضافة الى انتزاع فكرة المقاومة والصمود من المجتمع، وتستهدف ايضاً مفهوم الأسير الذي بات يرمز للنضال والكفاح بداية من قرارات السلطة السابقة بإلغاء وزارة الاسرى وتحويلها لهيئة وليس ختاماً بسن قانون اعدامهم.

وبالتالي فإن الاقدام على قطع راتب قرابة 6000 أسير فلسطيني يقبعون في السجون حالياً، بالإضافة لأرقام مضاعفة لأسرى محررين ستقطع رواتبهم، هذا يعني انتفاضة جديدة قد تغير ملامح التصور الإسرائيلي في المنطقة بعكس ما يرغب نتنياهو.

x