نتنياهو باعتباره مشروعًا لا مجرّد سياسيّ

الأربعاء 13 مارس 2019 - 09:19 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية- رامي منصور

تجري في السنوات الأخيرة مقاربات بين تجربة حكم بنيامين نتنياهو ورئيس الحكومة المؤسس لإسرائيل، دافيد بن غوريون، ليس لجهة طول فترة ولايته فحسب، بل حول مدى تأثيرهما وأهميتهما التاريخية في رسم شكل إسرائيل وتحديد جوهره أيضًا.

وإذا كان بن غوريون هو القائد المؤسس لدولة الإسرائيليين، فإن نتنياهو هو المؤسس لدولة اليهود، والفرق بين الدولتين قد لا يرشَحُ على السطح، ولكنه يعكس تحولات عميقة حصلت في إسرائيل ومجتمعها في العقدين الأخيرين، لناحية تعزيز الأيديولوجية اليهودية "النقية" على حساب الأيديولوجية الصهيونية العلمانية الليبرالية التي سعت لتشكيل أمّة إسرائيليّة، ولتعزيز الهوية اليهودية على حساب الهوية الإسرائيلية الجديدة.

لكن الفروقات لا تتوقف عند هذا الحد، فإذا كان بن غوريون اشتراكيًا/ عماليًا علمانيًا، فإن نتنياهو نيو ليبرالي محافظ ومتشدد، ومراجعة سيرته ستُظهِر أنه كان من أوائل المنظرين في سبعينيات القرن الماضي للمحافظين الجُدد في الولايات المتحدة الأميركيّة، ومنذ توليه رئاسة الحكومة لأول مرة في أواسط التسعينيات، سعى إلى لَبْرَلة الاقتصاد الإسرائيلي وخصخصته، وقد تمكن من تحقيق رؤيته هذه خلال فترة قصيرة نسبيا، ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

واللَّبرَلة الاقتصادية لدى نتنياهو ليست بدافع اقتصادي محض، بل إن طروحاته النيوليبرالية كان هدفها أساسا تقوية الاقتصاد الإسرائيلي حتى لا تشكل المساعدات الأميركية أداةً للابتزاز والضغط السياسيّ. أي أنه أراد لَبرَلة الاقتصاد بهدف سياسيّ، وهو تعزيز مناعة واستقلالية القرار السياسي الإسرائيلي، بحيث لا يكون مرهونا بالدعم الأميركي، وتحديدا في ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين.

وبذريعة اللبرلة، يقوم نتنياهو بتغيير تشكيلة وبُنية مؤسسات الدولة والمجتمع، بدءًا بالقضاء مرورًا بالإعلام وصولا للأكاديميا، وذلك بزعم أن هذه المؤسسات يجب أن تكون ديمقراطية تعكس التحولات المجتمعية والسياسية في إسرائيل والنخب الجديدة الصاعدة، ولكي لا تكون حكرًا على النخب الأشكنازية العمّالية القديمة، وباسم اللبرلة، يُضفي نتنياهو على هذه الليبرالية بُعدًا جمهوريا، بأن "إرادة الأغلبية الشعبية" التي تتجسد في النواب والحكومة المنتخبين هي فوق باقي المؤسسات التي يُديرها تكنوقراط.

هذا كله يؤشر إلى أن نتنياهو ليس مجرد حالة سياسية مارقة تنتهي بإسقاطه من الحكم، بل هو شخصٌ رسَّخ عقيدته السياسية والاقتصادية في مؤسسات الدولة والمجتمع، وحّول اليمين من مجرد عقيدة إلى مشروع له مؤسساته البحثية ومثقفيه وإعلامه، فيما خسر ما يُسمى بـ"اليسار" مؤسساته التي كان يهيمن عليها في القضاء والإعلام ومراكز الأبحاث.

هذه ليبرالية يهودية ترى الديمقراطية على أنها "إرادة الأغلبية"، وليس مساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والعرقية.

لذا لم يقتنع الإسرائيليّ بمحاولة أحزاب مثل "كاحول لافان" برئاسة بيني غانتس، وقبلها "يش عتيد" برئاسة يائير لبيد، تقليد اليمين، واعتبر أنها غير حقيقية، فهذه الأحزاب تديرها مجموعات مستشارين يسمون أنفسهم "إستراتيجيين" (أي إستراتيجية هذه التي لا تتجاوز يوم الانتخابات ولا تضع تصورا حقيقيا للحكم؟)، وليس قادة عقائديين، بل هم أقرب إلى المشاهير والنجوم، فيما نجح نتنياهو بربط مصير اليمين بكل أطيافه بمصيره هو شخصيا، دون الحاجة إلى حلقات مستشارين يكتبون له تصريحاته استنادًا إلى شعبيتها في استطلاعات الرأي.

أما ما يُسمّى باليسار، فهو في ورطة حقيقية لا يبدو لها مخرج في الأُفُق، فهو الذي سلّم اليمين الحكم على طبق من ذهب بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، وهو الذي فسح المجال للمستوطنين لكي ينتشروا في كل تلة من تلال الضفة الغربية. لذا مشكلته الحقيقية مع نتنياهو ليست أنه يرفض التفاوض مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إذ أنه يقيم علاقات علنية غير مسبوقة مع دول عربية وإسلامية، بل مشكلتهم أن نتنياهو "سطا على دولتهم".

خلُاصة القول؛ إن الصراع في إسرائيل ليس على إسقاط اليمين، لأن اليمين صار مُكوِّنا أساسيا من مكونات الدولة، وإسقاطه لن يكون من خلال صناديق الاقتراع، بل إن الصراع مُتمثّل بين نخب خسرت امتيازاتها وبين نخب سيطرت على الدولة، لذا فمن السطحية التعامُل على أن الصراع هو بين يسار ويمين، أو بين حمائميين وصقوريين، فهذه الثنائيات انتهت منذ عقدين.

نتنياهو: بين تشرتشل وريغان

يسود الاعتقاد بأن نتنياهو قائد شعبويٌّ وتحريضيٌّ بلا كوابح. هذا صحيح إلى حد كبير. لكنه شعبويٌّ وعقائديّ، فمراجعة سيرته تظهر أنه يحاول منذ شبابه أن يكون زعيما يملك عقيدة وجرأة في اتخاذ القرارات المصيرية مثل رئيس الوزراء البريطاني، وينستون تشرتشل، من جهة، وشعبية الرئيس الأميركي، رونالد ريغان، من جهة أخرى. ووفق هذين المعيارين يحكم نتنياهو على الأشخاص وأدوارهم التاريخية، فعقيدة بلا شعبية لا تكفي، وشعبية بلا عقيدة لا تعني شيئا. لذا، فإن الهمّ الأساسيّ لنتنياهو ومنذ خطواته السياسية الأولى؛ كان الدمج بين زعامة تشرتشل التاريخيّة وبين شعبية ريغان نجم أفلام هوليوود، الذي لم يتميز بقدرات فكرية وسياسية خاصة.

 

 

x