كيف تتعامل "إسرائيل" مع حرب الاستنزاف التي تديرها حماس بغزة؟

الأربعاء 13 مارس 2019 - 02:24 مساءً بتوقيت القدس

عمار ياسر - عكا للشوؤن الإسرائيلية

نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية، مقالاً للكاتب الإسرائيلي دافيد حاخام، تطرق فيه إلى الأوضاع في قطاع غزة في ظل مرور سنة على انطلاق "مسيرات العودة"، وتساءل فيه حول الطريقة التي يجب على "إسرائيل" أن تسلكها تجاه حركة حماس في غزة؛ وجاء في مقاله:

بعد مرور سنة تقريباً على بدء التظاهرات عند حدود قطاع غزة (مسيرات العودة)، وعلى خلفية الجهود المصرية لتثبيت التهدئة، يُطرح سؤال حول الطريقة التي يجب على "إسرائيل" أن تسلكها تجاه حركة حماس بغزة.

أود مناقشة هذا السؤال على قاعدة معرفتي القريبة والطويلة التي امتدت لسنوات في إطار خدمتي العسكرية حول ما يحدث في القطاع ومعرفتي بشخصيات رفيعة المستوى من حماس.

تحليل خطوط العمل التي يجب على "إسرائيل" اتباعها، يقتضي معرفةً باستراتيجية حماس، خاصة على المستوى السياسي والأيديولوجي.

على المستوى الملموس يجب التعامل مع مستويين رئيسيين كقاعدة للتحليل؛ الأول هو السياسي الأيديولوجي، حيث أن حماس تطرح فيه نظرية منظمة ومفصلة لمواقفها وآرائها، ومصاغة بصورة قاطعة فيما يتعلق بـ"إسرائيل" واليهود.

فحماس ترفض وجود "إسرائيل" ولا تعترف بها ككيان سياسي شرعي وتدعو فعلياً إلى تصفيتها وإقامة دولة إسلامية فلسطينية على أنقاضها، وكل ذلك في حدود معينة، من البحر إلى النهر، وكمرحلة أولى تمهيداً لإحياء الخلافة الإسلامية في المستقبل.

المستوى الثاني هو مستوى النشاط على الأرض، وفي هذا الشأن يمكن ملاحظة مقاربة براغماتية من جانب حماس، التي يتم التعبير عنها كاستعداد للدفع قدماً بتفاهمات مع "إسرائيل" على وقف إطلاق النار (تهدئة حسب وصفها)، ولكن دون الاعتراف بـ"إسرائيل" ومن خلال إجراء مفاوضات معها عبر وسطاء.

قبل سنة تقريباً بدأت حماس بمظاهرات عنيفة على طول حدود قطاع غزة، أطلقت عليها اسم "مسيرات العودة وكسر الحصار"، من خلال الشعور بالأزمة التي وجدت نفسها فيها في أعقاب دفعها إلى الزاوية، سواء من قبل "إسرائيل" أو من قبل الأنظمة العربية، هذا على خلفية التطورات في المنطقة، وقلة الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، والوضع الاقتصادي الصعب الذي تغرق فيه حماس، والانشغال المتزايد بمواضيع إقليمية أخرى، وفي مركزها مشكلة إيران.

في هذه الظروف تعزز في حماس الخوف من تهديد متزايد على استقرار حكمها وعلى استمرار سيطرتها في القطاع؛ الأحداث العنيفة على الحدود تستهدف تغيير قوانين اللعب من ناحيتها.

في الحقيقة، حماس تدير ضد "إسرائيل" حرب استنزاف، والتهديد الذي تضعه حماس أمام إسرائيل ليس بمستوى الخطر الوجودي، ومظاهر نشاطها في السنة الأخيرة لا تشكل لها ذريعة للحرب، وإزاء ذلك، يجب على "إسرائيل" أن تُظهر مقاربة تدمج التصميم والصبر والصمود والعمل ضد حماس بخطوات محسوبة، من خلال الاعتراف بأن الأمر لا يتعلق بصراع قصير على نمط "ضربة واحدة وانتهى الأمر"، بل معركة طويلة ومتواصلة.

هناك سيناريو تقف فيه "إسرائيل" أمام شن عملية عسكرية شاملة، توقع من خلالها ضربات مؤلمة لأهداف حماس، ولكن ليس من خلال نية احتلال المنطقة، ومن خلال التصرف بصورة لا تجرها إلى التخبط ثانية في وحل غزة.

وهناك سيناريو آخر، وهو إعطاء تفويض جديد للسلطة الفلسطينية للعمل في قطاع غزة، ولكن يبدو لي في الظروف الحالية أن هذا السيناريو لا أساس له وغير واقعي، فحماس سيطرت على القطاع عام 2007 ليس من أجل تحويله على طبق من ذهب إلى أيدي رئيس السلطة محمود عباس.

وفي أي سيناريو، لا أعتقد أن حماس ستوافق على نزع سلاحها وإعطاء عباس المسؤولية لإدارة شؤون القطاع على أساس شرطه المعروف "حكم واحد وقانون واحد وسلاح واحد".

في هذه الظروف، يجب على "إسرائيل" أن تواصل سياستها الحالية، التي يتم التعبير عنها بجهد لتأسيس تهدئة أمنية لفترة طويلة قدر الإمكان، مقابل ثمن بالحد الأدنى من ناحيتها يتمثل بتحويل مساعدات مدنية إنسانية، وضخ الدعم المالي من مصادر خارجية وتوسيع منطقة الصيد.

وفي المقابل، يجب على "إسرائيل" أن تقف بالمرصاد وأن تمنع تآكل مطالبها الأمنية ومواصلة الإشراف الشديد كمحاولة لإحباط تعاظم قوة حماس العسكرية.

في مثل هذه الأيام، حيث تقف "إسرائيل" أمام تحدي التهديد الذي تضعه حماس، أتذكر أقوال رئيس بلدية غزة الأسبق رشاد الشوا، والتي تظهر كنبوءة تتجسد اليوم، لقد كان ذلك قبل فترة قصيرة من وفاته في أيلول 1988، قبل أقل من ساعة على اندلاع الانتفاضة الأولى، حيث جلسنا على شرفة بيته في حي الرمال وسط مدينة غزة، وحولنا تُسمع أصوات المتظاهرين المحتجين ضد الاحتلال الإسرائيلي، وزجاجات حارقة تُلقى في الشارع، وسُحُب الدخان الكثيفة تتصاعد من الإطارات المشتعلة، نظر الشوا نحوي وتساءل: "ما هي غزة؟" وسارع إلى الإجابة قائلاً: "غزة هي مشكلة إسرائيل. بالحسنى ستعيش معكم بسلام، وبالشر ستكون حجر رحى معلق على رقابكم".

x