انفراط العقد الاسرائيلي المقدس

الجمعة 05 أبريل 2019 - 11:37 صباحاً بتوقيت القدس

بقلم المختص في الشأن الإسرائيلي: عزام أبو عدس

 (الجيوش لا تقاتل بما تملكه من عتاد إنما بثقتها المطلقة بقادتها فلا يجب أن يفكر الجندي بالالتفات إلى الخلف لأنه سيتلقى الرصاصة من الأمام) الكاتب

قال الجنرال الشهير تسن تزو صاحب الكتاب الشهير (فن الحرب): "علمت جنودي الثقة المطلقة بضباطهم وقيادتهم لأن ثقتهم هذه هي السلاح الفعلي الذي يخوضون به غمار المعركة، وينفذون الأوامر التي تبدو لهم غير عقلانية أو قد تؤدي بهم إلى التهلكة، وهذه الثقة تكون حصيلة سنين من الوفاء لهم لكنها أسرع ما تنهار في نفوسهم عند الكذبة الأولى من قادتهم فالقائد الذي يكذب على جنوده لأي سبب كان يكون كأن أطلق على ظهورهم المدافع)

في الحروب الاستراتيجيات العسكرية لا تأخذ بالحسبان القوة المادية والقدرة النارية فحسب، إنما منذ فجر التاريخ علمنا المفكرون الاستراتيجيون وآباء العلوم العسكرية أن المجهود الحربي يقوم على الانسان المقاتل بالدرجة الأولى، وهذا ما أكده كبار المؤرخين العسكريين مثل تسن تزو وكلاوزفتس وليدل هارت.

أجمع هؤلاء وغيرهم أن الجيش الضخم الذي يتكون من حجم مهول من العتاد والحديد والقوة النارية يرتكز في وحدته البنائية الأولى على جندي الميدان البسيط، هذا الجندي الذي يفترض به خوض أهوال الحديد والنار والسير على حقول الألغام واقتحام مواقع أعدائه ليضع قادته أكاليل الغار على جباههم مشيدين ببطولته وتضحيته في سبيل الوطن في حفلات التكريم الباهظة المقامة لهم.

هذا الجندي إذ يفترض به أن يثق الثقة المطلقة بهذه القيادة وهذا يكون حصيلة سياسات وعقيدة عسكرية وتعبوية طويلة ومركبة تكون شبكة مفاهيم إدراكية في عقلية هذا الجندي مفادها الثقة الكاملة بهذه القيادة ليموت في سبيل مجدها.

لكن هذه القيادة عليها في المقابل أن تنجز كافة شعاراتها حتى لا تكون مجرد وقع طبولي أجوف في نفوس جنودها.

"إسرائيل" ليست بدعا من هذه السنن الثابتة فهذه الدولة التي عاشت بالسيف وعلى السيف وبوجه السيف كان لابد لها من مسوغات عسكرية وتعبوية خاصة لا تقنع جنودها بمتطلبات القتال فحسب بل تقنع المجتمع بأكمله في العيش تحت ظلال اللهب وسحب الدخان.

المسوغات التي صاغها الاحتلال في التعامل مع جنوده لزرع الثقة في نفوسهم كانت جملة من المبادئ أهمها (الدولة ستفعل كل شيء لأجل جنودها ) و(نحن لا نترك أخا خلفنا).

هذا الالتزام كان معناه أن تدفع الدولة بكل مجهودها الأمني والاستخباراتي في سبيل إعادة الأسرى من جنودها، أو جثث قتلاها مهما كان الثمن سواء بعمليات عسكرية أو بصفقات تبادل، ورأينا أن مثل هذه الملفات ظلت حية ونابضة لعقود طوال مثل ملف جنود السلطان يعقوب، وملف رون أراد، وكان آخرها صفقة وفاء الأحرار التي كلفت الاحتلال ثمنا باهظا.

لكن هذا الأمر أخذ بالتغير تدريجيا ليشهد تحولا دراماتيكيا بعد العام 2014 حيث قامت المقاومة بأسر عدد من الجنود في معركة العصف المأكول ليسارع الاحتلال بالإعلان عنهم كقتلى بالرغم من عشرات القرائن والأدلة التي تشير عكس ذلك.

الجديد هنا هو أن فكر القيادة في دولة الاحتلال قد اختلف، فنحن الآن نشهد وجود الجيل الثالث من السياسيين في دولة الاحتلال، هذا الجيل الذي يوصف دوما بالنفعية وضيق الأفق وتقديم المصالح الشخصية على العامة.

هذه الخطوة جاءت لدفن كل مبادرات أو صفقات لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وحتى لا تحصل المقاومة على صورة انتصار وتضعف (الرصيد السياسي) لقادة اليمين.

لكن هؤلاء بنمط تفكيرهم الضيق وبأفقهم الذي لا يزيد عن اتساع فتحة صندوق الانتخابات يقومون بهدم أهم ركائز المجتمع الاسرائيلي وهي الثقة المطلقة المقدسة بين الجيش والحكومة، فإسرائيل ليست مجرد دولة تمتلك جيشا، إنما الجيش هو نواة التكاثف التي يلتف حولها عموم مجتمع كان اساس وجوده الحرب، وبالتالي فإن التلاعب في أقدس أقداس العلاقات التي تجمع الجيش بالمستوى السياسي هو اشد خطورة من أية حرب فعلية.

المقاومة بمعرفتها العميقة بعدوها أدركت هذه الحقيقة وركزت عليها في خطاب إعلامي كان له دلالات ملفتة من حيث صياغة الفيديو باللغة العبرية، وفضح الكذب الذي قامت به الحكومة.

 وبتقديري فإن هذا كان له آثار عميقة على نفوس جمهور الاحتلال، لكن الضربة القاضية ستكون نشر فديو أو تصوير حقيقي للجنود الأسرى يتزامن مع موعد حساس مثل الانتخابات المقبلة، أو عيد الاستقلال فهذا سيكون ضربة قاضية تخلط كل الأوراق.

 

 

x