مقال

"صفقة القرن" ومصير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

الأحد 07 أبريل 2019 - 10:47 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية -  بقلم: نائل عبد الهادي

أيام وأسابيع قليلة تفصلنا عن الإعلان عن صفقة القرن الأمريكية، فما هو مصير الشعب الفلسطيني وقضيته وصراعه بعد الإعلان عن البدء بتطبيق هذه الصفقة؟. 

فلسطين قضية الماضي والحاضر:

لا يخفى على أحد، الحالة المتردية التي وصلت اليها القضية الفلسطينية، والتي تدهورت إلى القاع وكادت أن تختفي عن المشهد السياسي، بعد سنوات من المفاوضات العبثية مع إسرائيل، وسنوات أخرى من الجمود في العلاقات مع إسرائيل.


ورغم السياسية المنهجية التي تتبعها إسرائيل وحليفتها المركزية بالعالم، لطمس هذه القضية، ووضع خطط ومشاريع لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن هذه القضية لا تزال حاضرة في أذهان الشعوب، وتعود كل يوم من جديد لتؤكد فشل السياسية الإسرائيلية، في إنهاء الوجود والحق الفلسطيني.

سياسية إسرائيل المتمثلة في الحفاظ على الأمر الواقع، كانت تهدف إلى القضاء على القضية الفلسطينية، وإنهاء الحديث عنها، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. ولقد ساندت هذه السياسات الإسرائيلية، توجهات محلية، وإقليمية، عملت على تقليص القضية، وإنهاء وجودها من على سلم الأولويات العالمي والإقليمي.

إن محاولة إسرائيل المتواصلة، لشد أنظار العالم إلى قضايا ثانوية على حساب القضية الجوهرية بالعالم، من خلال التركيز على إيران وداعش وسيناء وصرعات إقليمية وعالمية أخرى، فشلت فشلا ذريعا. فكلما حاوت إسرائيل التأكيد على أن القضية انتهت، تعود القدس أو غزة من جديد للتأكيد للعالم، أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم ينتهِ، ولو وافق كل الحكام العرب على هذا الطرح.


صفقة القرن وإنهاء الصراع:

ليس بعيدا عن هذه السياسات الإسرائيلية، تأتي صفقة القرن لاستكمال سياسية إنهاء الصراع والقضاء على جوهر القضية الأساسية بالعالم، فهذه الخطة الأمريكية، لم ولن تقدم للفلسطينيين أدنى مطالبهم القومية والوطنية والسياسية.


ورغم أنها تسعى لخدمة المصالح الإسرائيلية ( الدينية والسياسية والأمنية والدولية) إلا أنها تسعى في الوقت ذاته، إلى طمس معالم القضية، من خلال تقديم حلول شكلية، بغلاف اقتصادي للقضية الفلسطينية.

صفقة القرن التي بدأت عمليا منذ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، أدت إلى أهداف عكسية، وأعادت إلى الأذهان قضية فلسطين، فبدلاً من إنهاء الصراع بموافقة الدول العربية، رفض أصحاب الشأن هذه الخطة، وكان رفضهم له مردود سلبي على إسرائيل وحلفائها.


الرد الفلسطيني:

سياسيات إسرائيل تحظى بدعم وتأييد عربي واسع، بشكل سري وعلني، وهذه الخطة الأمريكية حاصلة على مباركة إسرائيلية، وموافقة غالبية الحكام العرب، خصوصا حكام الخليج، وكل العالم يتعقد أن أصحاب الشأن - بهذا المقام وهم الشعب الفلسطيني - سيوافقون على ذلك.

لقد قال الفلسطينون كلمتهم النهائية خلال أحداث القدس، وبعد إعلان نقل السفارة الأمريكية، وخلال اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقالوها خلال بداية مسيرات العودة مطلع العام الماضي، وهذه الهبات الجماهيرية بالضفة وغزة والقدس، وإن كانت لا تلبس الطابع الرسمي، إلا أنها كانت بمثابة نتائج استطلاع واستفتاء عام على هذه السياسيات الإسرائيلية الأمريكية لطمس قضيتهم المركزية.


مصير الصفقة وفلسطين:

صفقة فاشلة بكل المقاييس، لا تلبي أدنى المطالب القومية الفلسطينية، تأتي بعد مرحلة مبرمجة من التجويع والتضييق والحصار للكل الفلسطيني، للقبول بأي حلول ذات طابع مادي واقتصادي. ظن القائمون على إعداد الصفقة، أنهم سينجحون في تسويق الصفقة عربيا، ولقد نجحوا، لكنهم لم ولن ينجحوا في تمرير هذه الصفقة فلسطينيا.

من سيقبل بالتعويض عن التهجير، ومن سيقبل بالتوطين في وطن بديل، ومن سيقبل بمشاريع اقتصادية، مقابل حق العودة، ومن سيقبل بحكم محلي ضيق النطاق، بدلاً من الدولة وتقرير المصير.

إن هذه الصفقة الفاشلة، ستذوب على أعتاب المسجد الأقصى، وعلى حدود قطاع غزة، وداخل أزقة المخيمات بالضفة الغربية، ولن تجد لها أي قبول بالمجتمع الفلسطيني، وإن كان هناك من وافق أو سيوافق عليها بين الفلسطينيين، فهؤلاء قلة لا يمثلون إلا أنفسهم، وسوف يسقطون أمام المحك العملي الأول لهذه الصفقة.


إسرائيل ووهم المستحيل:

واهم من يعتقد أن صفقة القرن أمريكية، فهي صفقة إسرائيلية، أعدت في أروقة صنع القرار في تل أبيب، وهي خطة تهدف إلى خدمة المصالح الأمنية والديموغرافية والسياسية الإسرائيلية. وتهدف لإنهاء الصراع، من أجل فتح أبواب الوطن العربي أمام إسرائيل على مصرعيه.

التطبيع العربي الإسرائيلي ليس بالأمر الجديد، فهو يأخذ أشكالاً سرية منذ عدة عقود، على الصعيد الأمني والاقتصادي والدبلوماسي، لكن الجديد بالأمر، هو التبجح الإسرائيلي، بإنهاء العقبة الأساسية، أمام شرعنة الوجود الإسرائيلي في العالم العربي. وإن كان ذلك يلقى قبولا على المستوى القيادي الرسمي بالوطن العربي، إلا أنه ما زال يعتبر من المستحيلات على المستوى الشعبي.


جوهر السياسات الإسرائيلية: 

تنتظر إسرائيل الانتهاء من مرحلة الانتخابات العامة، لتكمل مشوار خطة القرن، لتعلن ضم مناطق الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية، على غرار الجولان، والقدس، ولتشغل المجتمع العربي بشكل عام، والمجتمع الفلسطيني بشكل خاص، بقضايا ومشاكل ثانوية، تجعلها قضايا جوهرية أساسية.

فبدلا من التفكير في إقامة الدولة، يجب حصر التفكير في تأمين الأموال وكيفية رفع الحصار، وبدلاً من مقاومة الاحتلال، نغرقهم في الاقتتال، وبدلاً من الحديث عن القدس، يجب الحديث عن داعش بسيناء، وبلاد من حق العودة، يجب التركيز على الوجود الإيراني بسوريا، وبدلا من السعي للتحرر وإقامة الدولة، يجب العمل على التخلص من "الإرهاب" الإسلامي المتطرف.


مصير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي:

بعيدا عن سرد الأحداث التاريخية، وبعيدا عن الخطاب الديني، فهذه القضية لا تبدو لها حلولا في الأفق السياسي القريب، لا بالمخططات الأمريكية، ولا بالمشاريع الاقتصادية المالية العربية، ولا بفكر التسوية السلمية، الذي أكدت التجارب العملية أنه مجرد وهم وسراب.

فبدون موافقة إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس، تضمن فيها الحق لكل اللاجئين للعودة إلى هذه الدولة، بسيادة فلسطينية أمنية كاملة على كافة مناطقها، لن يتم حل هذه القضية، ولا تجزئتها ولا إنهائها ولا حتى إبعادها عن جدول الأعمال السياسي في العالم. 

ورغم الأصوات النشاز التي تقول إن هذه القضية لم تعد تهم العالم العربي والإسلامي، إلا أن هذه القضية المركزية، ذات أبعاد دينية وعقائدية، وحلولها مرتبطة ارتباطا وثيقا بصراع ديني عقائدي، لم ولن ينتهِ إلا بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. 

x