التصعيد ـ أسبابه وتداعياته والسيناريوهات المتوقعة

الأحد 05 مايو 2019 - 11:51 صباحاً بتوقيت القدس

بقلم المختص بالشأن الاسرائيلي: عبيدة مدوخ

أسئلة كثيرة تراودنا حول التصعيد الذي بدأ مساء يوم الجمعة الماضي كفعل ورد فعل في أعقاب إطلاق النار تجاه دورية للجيش الاسرائيلي على الحدود مع قطاع غزة أسفر عن اصابة ضابط ومجندة بجراح وصفت بالمتوسطة، وذلك ردا على تغول الجيش في دماء الفلسطينيين، وما تلى ذلك من رد إسرائيلي أسفر عن استشهاد عدد من كوادر المقاومة، ردت الأخيرة عليه بإطلاق الصواريخ تجاه الغلاف قابلته اسرائيل بقصف المباني ما دفع المقاومة لتوسيع مدى الصواريخ تجاه العمق القريب.

لا بد من الرجوع في الزمن قليلا واسترجاع الذاكرة القريبة حول الأحداث التي سبقت التصعيد من أجل وضع النقاط على الحروف ومعرفة أسباب وملابسات التصعيد والسيناريوهات المتوقعة.

تفاهمات التهدئة

لقد سبق التصعيد حالة من السخط والغضب في غزة على الصعيد الجماهيري والقيادي، وذلك بسبب التلكؤ الاسرائيلي في تطبيق جميع التفاهمات التي تم الاتفاق عليها قبل انعقاد الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة، حيث التزمت اسرائيل بتطبيق العديد من التفاهمات المتعلقة بحركة الاستيراد والتصدير عبر المعابر الاسرائيلية وتوسيع مساحات الصيد وتحسين الكهرباء والسماح بتنفيذ مشاريع عديدة ومختلفة في غزة من بينها مشاريع انسانية لتشغيل الخريجين والعمال، إلا أنها لم تلتزم في تطبيق الشق المالي من التفاهمات القاضي بإدخال 30 مليون دولار تحت ذريعة خلافات جانبية بين قطر ومصر.

أدركت المقاومة بأن اسرائيل تصدر الأزمة بين قطر ومصر على أنها سبب المماطلة في إدخال الأموال القطرية إلى غزة، وأن الحديث يدور عن ذريعة واهية خلقتها اسرائيل بهدف كسب الوقت والضغط على المقاومة لتحقيق مكاسب أخرى تتعلق بملف الجنود الأسرى المعتقلين لديها في غزة.

تصعيد شعبي

بدأت المقاومة تستعد لتنفيذ اجراءات تصعيدية شعبية كان من المخطط أن تبدأ من يوم الجمعة الماضي بهدف الضغط على اسرائيل للتحرك في مسار الالتزام بالتفاهمات لإدخال الأموال القطرية، فالمقاومة لا علاقة لها بالخلافات الجانبية التي تتذرع بها اسرائيل.

لم تكن المقاومة ترغب في هذه المرحلة باستخدام الخيار العسكري كونه الخيار الأخير لما فيه من تداعيات هي أعلم بها كاستنزاف قدراتها العسكرية من خلال قصف مواقعها ومقراتها، حيث أنها كانت تخطط في المرحلة الأولى بالتصعيد الشعبي والجماهيري من خلال استرجاع فعاليات الحراك الشعبي الخشنة بما في ذلك الإرباك الليلي والبالونات الحارقة والتحشيد الجماهيري في مسيرات العودة، في ظل التأثير والضغط الكبير الذي تحققه مثل هذه الفعاليات على اسرائيل لإجبارها على الالتزام بالتفاهمات بدون الحاجة للعمل العسكري.

زيارة وفدي حماس والجهاد لمصر

خرج وفد من حركتي حماس والجهاد الإسلامي قبل التصعيد بيومين إلى العاصمة المصرية القاهرة، تلبية لدعوة وزير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل من أجل بحث العديد من المواضيع التي تتعلق بالأوضاع في قطاع غزة المحاصر.

على ما يبدو فقد كان هناك عرض اسرائيلي جديد أراد وزير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل اطلاعه على رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، وهذا ما دفع اسرائيل للمماطلة في إدخال الأموال القطرية من أجل ربط هذا العرض بالأموال وأمور أخرى، كما يجب التنويه إلى أن هذه الزيارة لا علاقة لها إطلاقا مع التصعيد الحالي الذي اندلع كفعل ورد فعل.

عملية القنص

بدأت المقاومة صباح يوم الجمعة الماضي بإجراءاتها التصعيدية الشعبية من خلال الإطلاق المدروس للبالونات الحارقة والدعوة لحشد الجماهير للمشاركة في جمعة " الجولان عربية سورية " التي تأتي في إطار مسيرات العودة على الحدود مع قطاع غزة ، وفي ذروة تحشد الجماهير بعد عصر الجمعة على الحدود، وإطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين ، وقعت عملية القنص التي أسفرت عن إصابة ضابط ومجندة بجراح وصفت بالمتوسطة ، الأمر الذي قابلته قوات الاحتلال بضرب المواقع الأمامية للمقاومة كمراصد الاستطلاع العسكري بناء على قواعد الاشتباك المعمول بها في فرقة غزة، مما أسفر عن استشهاد كوكبة من كوادر المقاومة بالتزامن مع الاستخدام المفرط للنيران ضد المدنيين المشاركين في مسيرات العودة مما أسفر عن استشهاد اثنين واصابة الكثيرين.

رد المقاومة

ردت المقاومة ليلة الجمعة بإطلاق رشقات الصواريخ الدقيقة والمدروسة تجاه أراضينا المحتلة في مناطق الغلاف، وذلك وفاء منها لدماء الشهداء أولا وأخيرا، ولأن ليس لديها ما تخسره ثانيا، وللضغط على اسرائيل ثالثا في ظل حرص الأخيرة على تحقيق الهدوء في المرحلة الحالية بسبب المناسبات والأعياد التي تشهدها هذه الفترة.

لقد أبدعت المقاومة في هذه الجولة كسابقتها في إظهار القدرة العالية على القيادة والسيطرة والتحكم في المعركة والنيران بكافة أنواعها من خلال التدرج في مدى النيران بناء على تطورات الموقف الميدانية الأمر الذي يمنحها مساحة واسعة من المناورة السياسية من خلال التهديد بتوسيع مدى النيران من عدمه.

كما ظهر إبداع المقاومة أيضا من خلال دقة وقوة الصواريخ التي أطلقتها ولا تزال تطلقها تجاه المناطق الاسرائيلية، حيث تجلت هذه القدرات من خلال صورة الهلع والخوف الشديد الذي أصاب جمهور الاحتلال الاسرائيلي، ويكفي المقاومة فخرا أن تخرج من هذه الجولة بصورة النصر المتمثلة بصور ومشاهد هلع الصهاينة في أعقاب سقوط الصواريخ.

السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول وهو الأقوى: أن جولة التصعيد الحالية ستمتد حتى صباح غدٍ الاثنين أو بعد غد الثلاثاء على أبعد تقدير، حيث أن وتيرة النيران خلال هذه الفترة ستكون مشابهة ليوم أمس السبت وهي استهداف مباني قد تتطور لاستهداف منازل لقادة المقاومة مقابل إطلاق صواريخ تجاه العمق الصهيوني القريب قد يصل إلى مدينة ريشون لتسيون.

السيناريو الثاني : أن تتطور جولة التصعيد إلى حرب واسعة في غزة، وهذا مستبعد، إلا أنه قد يحصل إذا ما أرادت المقاومة ذلك، بمعنى أن الكرة في هذا السياق في ملعب المقاومة .

مصير التفاهمات

أعتقد بأن اسرائيل ستدفع خلال الفترة المقبلة نحو تطبيق التفاهمات بما في ذلك ادخال الأموال إلى غزة، لحرصها الشديد على تحقيق الهدوء في هذه المرحلة في ظل المناسبات العديدة التي تشهدها هذه الفترة بما في ذلك احتفال يوم الذكرى، وعيد الاستقلال، ومهرجان اليوروفيجن الغنائي الدولي.

 

x