هل الجنود المأسورين لدى القسام أموات أم أحياء؟

الثلاثاء 09 يوليو 2019 - 11:21 صباحاً بتوقيت القدس

بقلم: مهران بشير ثابت
 مرت خمسة أعوام على انتهاء الحرب الأخيرة في قطاع غزة ولا تزال قضية الجنود الإسرائيليين المأسورين لدى كتائب القسام في قطاع غزة تراوح مكانها، يكتنفها الغموض ويلفها الضباب وتكثر حولها الأسئلة.

من المعلوم أن هناك أربعة جنود إسرائيليين محتجزين لدى كتائب القسام في قطاع غزة، وهما الضابط "هدار غولدين" والرقيب أول "أورون شاؤول" والأثيوبي "أبرها منغستو" والبدوي "هاشم السيد".

وهذه المقالة هي محاولة للتخمين بشأن مصير الجنديين هدار غولدين واورون شاؤول من خلال استعراض بعض الأحداث والتصريحات المتعلقة بذلك. ولن نتطرق إلى الجنود الباقين إلا في آخر المقال، فقد اتضح جليًا أن قضية الأثيوبي والبدوي لا تعني حكومة الاحتلال كثيرًا، والذي أكد ذلك تصريح قائد في كتائب القسام لقناة روسيا اليوم، حيث قال فيه: " لم تطالب حكومة الاحتلال عبر أي من الوسطاء بفتح قضية المفقود أبراهام منغستو مع قضية أسرى العدو منذ اختفائه ولم يتم إدراجه ضمن ملف المفاوضات نهائيا".

منذ إعلان كتائب القسام عن أسرها للضابط "هدار غولدين" في رفح، ورقيب أول "أرون شاؤول" شرق الشجاعة، جن جنون حكومة نتنياهو وبدأت تضرب أخماسًا لأسداس، الأمر الذي دفعها نحو المسارعة إلى تصنيفهما "كجنود لاقوا مصرعهم خلال المعارك في غزة ولم يتم العثور على جثثهم ليتم دفنها داخل الكيان".

وقد عززت حكومة نتنياهو وجهة النظر تلك من خلال التحقيقات التي أجراها جيش الاحتلال والتقارير المتلفزة التي تم نشرها على الإعلام العبري والتي حاكت قصة مقتلهما خلال الحرب. هذا على الرغم من عدم وضوح الأدلة المتوفرة، وكثرة الثغرات في روايات شهود العيان من الجنود والضباط الذين كانوا مع غولدين واورون، في رفح والشجاعية.

بعد انتهاء الحرب بدأنا نسمع عن محاولات لبلورة صفقة تبادل أسرى بين حماس وإسرائيل عبر الوسطاء. لكن الجهود المحمومة التي بذلها الوسطاء بهذا الشأن لم تؤتي ثمارها نظرًا لتعنت الاحتلال وعدم تنازل حماس عن سقف مطالبها وأهمها إطلاق سراح محرري صفقة جلعاد شاليط.

كتائب القسام حاولت، كلما سنحت الفرصة، تحريك المياه الراكدة لتطفو قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى على السطح من جديد. مستخدمةً في ذلك أسلوبًا جديدًا، مستفيدةً من تجربة أسر جلعاد شاليط، حيث أنها استهدفت في رسائلها عائلات الجنود المأسورين ، من خلال إثارة وتحريك مشاعرهم تارة وتأليبهم على حكومتهم تارة أخرى ، مع عدم إعطاء معلومات من شأنها قطع الشك باليقين.

وقد كان أول تصريح بهذا الشأن هو للناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة ، إذ دعا فيه عائلات الجنود الأسرى إلى عدم تصديق رواية نتنياهو حول مصير أبنائهم. حيث قال: " نتنياهو يكذب على شعبه ويضلل جمهوره ويمارس الخداع مع ذوي جنوده الأسرى”.

وبعد مضي ثلاثة سنوات على أسر أورون شاؤول وفي الذكرى الثالثة والعشرين لميلاده، نشر القسام فيديو حمل كثيرًا من الرسائل والتلميحات، حيث جاء في الفيديو، في مشهد تمثيلي، أن أورون شاؤول يحتفل بعيد ميلاده الثالث والعشرين وهو جالس على كرسي متحرك ويشاركه زملائه الأسرى الآخرون بدق أطباقٍ معدنية ويلتفون حول قالب من "الجاتو" بالشوكولاتة والمغطى بالكراميل والكريمة البيضاء.

ووردت في ختام مقطع الفيديو عبارة: "عام جديد والجندي شاؤول بعيداً عن أهله" باللغتين العربية والعبرية.

وفي فيديو ثاني تم نشره بالتزامن مع الفيديو الأول جاء فيه، في مشهد تمثيلي، صورة لشاؤول، يدخل عليه نتنياهو بلباس مهرج ويسعى لتحريره من الأغلال ولكنه يفشل، ويختتم الفيديو بعبارة "القرار بيد الحكومة" في إشارة إلى الحكومة الإسرائيلية.

وبعد فترة، نشر القسام أغنية باللغة العبرية بصوت شجي حزين تتحدث عن حياة الجنود الأسرى وبالأخص اورون شاؤول، وفي الأغنية تم تكرار الكلمات التالية: إيما إيما أني كان لما أومريم ش آني مِت وتعني بالعربية: أمي أمي أنا هنا لماذا يقولون بأني ميت.
وفي تصريح آخر لأبو عبيدة بتاريخ ٩ نيسان ٢٠١٩ قال فيه: "نوجه التحية لأسرانا في معركة الكرامة2 ونقول لهم بأننا نحمل همّكم فعلاً لا قولاً، ونضع قضيتكم فوق كل اعتبارأمام ما يعانيه أسرانا من بطش المحتل وغطرسته فقد أعطت قيادة القسام توجيهاً لوحدة الظل بالضغط على أسرى العدو؛ معاملةً بالمثل وانتصاراً لأسرانا الأبطال
نقول للاحتلال: إن المعاملة التي تلقاها الجندي شاليط سابقاً لدى المقاومة والتي يعلمها العدو جيداً لن تتكرر مع أسراه لدينا أمام استمراره في التنكيل بالأسرى وذويهم".

عائلة الجندي أورون شاؤول كانت تصريحاتها تتماشى نوعًا ما مع رواية الحكومة الإسرائيلية، طبعاً مع الإلحاح على الحكومة باستعادة ابنهم، ولكن بعد وفاة والد أورون شاؤول، خرجت زهافا والدة الجندي وقالت بصريح العبارة أن زوجها مات كمدَا وحزنًا على فلذة كبده، وأنه حينما كان الوالد يلفظ أنفاسه الأخيرة تاقت نفسه لرؤية ابنه أورون ، مؤكدةً أنه رغم رواية الجيش الإسرائيلي وتحقيقاته إلا أن إحساسها الداخلي كأم يخبرها بأن ابنها ما زال حيًا يرزق.

هذا الشك لدى والدة الجندي أورون شاؤول تحول إلى يقين ، بحيث أصبحت تكذب، دون خوف أوتردد، رواية الحكومة والجيش القائلة "بأن ابنها لاقى حتفه في معركة الشجاعة"، حتى أن زهافا أضحت في كل مرة تؤكد أن ابنها على قيد الحياة، وقد كان آخر تصريح لها اليوم بتاريخ ٧ تموز ٢٠١٩ حيث قالت بمنتهى الصراحة :" ابني ليس ميتًا، فلقد خُطف وهو على قيد الحياة، وعلى الجميع أن يعرف أنه لم يكن داخل ناقلة الجند التي انفجرت".

أما عائلة الضابط غولدين فقد التزمت برواية حكومة نتنياهو مع الاستمرار في مهاجمة الأخير واتهامه بالتخلي عن ابنها وتقصيره في استعادة ابنها هدار، بعد ذلك بدأت العائلة تهاجم الجيش الإسرائيلي نفسه _ وهو يحظى باحترام لدى الجمهور الإسرائيلي أكثر من الحكومة_ واصفةً إياه بالخائن لجنوده ولثقة الجمهور الإسرائيلي وكان آخر تصريح للعائلة اليوم بتاريخ ٧ تموز ٢٠١٩ حيث قالت: "الاستمرار في التخلي عن هدار غولدين في غزة هو خيانة لثقة الجمهور الإسرائيلي الذين يرسلون أبنائهم إلى الخدمة العسكرية وانتهاك صارخ للاتفاق الضمني بين الجيش الإسرائيلي وجنوده حيث يجب استعادة الجنود بأي حال من الأحوال".

وبناء على المعطيات السابقة نستطيع التخمين بأن الجنود الأربعة المأسورين لدى كتائب القسام" قد يكونوا أحياء"، وأن إصرار حكومة الاحتلال على أنهم أموات ما هو إلا محاولة للتملص والتهرب من دفع الاستحقاقات اللازمة ومن أجل التخفيف من الضغط الداخلي الذي يمارسه عائلات الجنود الأسرى على حكومتهم لدفعها إلى بلورة صفقة تبادل أسرى مع حماس، مهما كلفت من ثمن.

ولو كان افتراضنا صحيحًا بأن الجنود على قيد الحياة أو على الأقل بعضهم وتم الإعلان عن ذلك فيما بعد، فإن ذلك معناه أن الاحتلال حكومةً وجيشًا قد نسفا مصداقيتهما أمام مواطني دولة الكيان وأنهما خانا ثقة الجمهور الإسرائيلي فيهما، الأمر الذي من شأنه التسبب بشرخ كبير جدا بين القادة والعامة داخل الكيان وكذلك بين الجيش الإسرائيلي وجنوده .

ولكن بالمقارنة مع تجربة أسر الجندي جلعاد شاليط، فإن كتائب القسام لا تزال لم تنشر فيديو يوضح، بشكل لا يحتمل التأويل، مصير الجنديين هدار غولدين واورون شاؤول إضافة إلى الأثيوبي والبدوي. فقد نكون مخطئين جدًا في تخميننا الآنف ذكره، حيث تبقى لكتائب القسام اعتباراتها وحساباتها التي لا تخلو من الحكمة ومصلحة شعبها، فالأحرى بنا أن ننتظر ونرى ماذا سيتكشف عنه خلال الأيام القادمة وكلنا ثقة بمقاومتنا . 

x