مقال: محاكمة الديك

الأربعاء 31 يوليو 2019 - 05:29 مساءً بتوقيت القدس

بقلم/ عزام أبو عدس

(في عام 1474 في مدينة بازل في سويسرا قدم ديك للمحاكمة بتهمة أنه قد باض بيضة مما عدته المحكمة الأسقفية الكنسية فعلاً شيطانياً منافياً للطبيعة وبناء عليه قررت المحكمة إعدام الديك) – ول ديورنت – موسوعة قصة الحضارة – ج 14 عصر الإيمان

الظلم والقهر بطبيعته فعل مناف للمنطق والطبيعة حيث أن المنطق والطبيعة تقضي بأن يكون الإنسان حراً – فالناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا – لكن شهوة القوة جعلت بعض الناس يستعبد بعضاً بمسميات السلطة الحاكمة أو قهر الاحتلال أو كل مسمى لكل قوة تصادر حق الناس في الكرامة.

وعلى مدى التاريخ طور الطغيان نظريته الخاصة للاستعباد القسري والاختياري فيما يمكن أن نسميه (أيديولوجيا الإذلال بين النظرية والتطبيق) هذه الممارسات تراوحت بين ممارسات علنية وسرية الهدف منها حيونة الإنسان وتكبيل روحه بالقيود قبل يديه لأن اليد المتمردة تكسر القيود وتأكل لحم مغتصبها في حين تنصاع الروح المكبلة لكل من يقود زمامها وتنصاع له باستكانة النعاج.

الاحتلال الإسرائيلي ليس بدعا من كل قوى الظلم والطغيان التي عرفها التاريخ ومن هنا يقوم الاحتلال بانتهاج وسائل وأساليب لا لتكريس سلطته على الأرض بل لكسر نفوس الناس من الداخل وكما كانت محاكم التفتيش في العصور الوسطى بمحاكمة الحيوانات لتكريس سلطتها على البشر ولخلق القناعة في نفوس الناس بأن السلطة تفعل ما تريد كيفا تريد حيثما تريد وأن لا داعية للبحث عن العقلانية والمنطق في طيات القرار لأنه صادر عن أصحاب القوة القاهرة فيتم تعطيل المنطق وتشغيل سيكولوجيا القطيع في النفوس.

وصل الاحتلال الى مرحلة متقدمة في محاولة تركيع الفلسطينيين كان آخرها استدعاء الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس والست سنوات للتحقيق والاحتلال حين قام بذلك ليس بدافع الغباء والجبن بل هو مخطط مدروس ورسائل نفسية موجهة بدقة مفادها أن لا حصانة ولا رحمة لأحد وأن كل من يعارض أو يواجه مهما كان وأيا كانت صفته في أي قانون وعرف فهو تحت سيطرتنا المطلقة وأننا لا نحسب حسابا لأحد.

يريد الاحتلال منا أن ندرك جيداً أننا عراة مكشوفون يمكنه اعتقال الشاب والفتاه والزوج والزوجة والشيخ والطفل وأنه المتحكم الأوحد بكل تفاصيل حياتنا وحريتنا وكرامتنا يريد الاحتلال أن تتكرس لدينا القناعة بأنا عاجزون عن كل شيء وأنه لا يعرف الرحمة.

هذه النظرية التي تحدث عنها عبقري السياسة "نيكولو ميكافلي" حين قال في كتاب "الأمير" الذي شرح فيه أساليب حكم الشعوب فقال "عليك كحاكم أن تلقي بشبح مرعب يحوم فوق رؤوس الناس عنوانه القسوة والوحشية أن تلوح بهذه القسوة وأن تقوم بكل ما هو غير عقلاني وغير منطقي ليصهر الحدود بين المعقول واللا معقول في نفوس المحكومين".

قد يرى البعض ما يقوم به الاحتلال غير منطقي وغير عقلاني لكنه مدروس وجزئية في إطار مخطط الاحتلال الذي كسب معركة الأرض في الضفة الغربية وانتقل بشكل سلس لمعركة النفوس والعقول وهذا يطول الحديث فيه نرى الآن تكريس التهجير وتكريس الربط الاقتصادي ومحو ذاكرة التمرد، ما يقوم به الاحتلال الآن بالغ الخطورة وستكون نهايته بالنسبة الخروج من التاريخ الى الأبد.

x