مقال: رغم ادعاءات إسرائيل بحماية الأرض… هكذا كنا نقطف الزعتر

الخميس 08 أغسطس 2019 - 01:07 مساءً بتوقيت القدس

بقلم: عودة بشارات

مثل الابن الذي يمنعونه من الالتقاء مع والديه، هكذا كان الوضع مع العرب سكان إسرائيل. كلما خرجوا إلى الطبيعة من أجل قطف ثمارها، التي منحها الله بسخاء لجميع سكان البلاد بدون التمييز في الدين والعرق والقومية، وجدوا أنفسهم أمام الذين نصبوا أنفسهم للحفاظ على الأرض التي لم تبخل في أي يوم على من يطلبون خيراتها. هؤلاء الحراس جاؤوا مع الجيبات المخيفة التي سافرت في الطرق الضيقة وفي جعبتهم دفاتر الغرامات التي وزعوها بيد سخية على كل من تجرأ على الاتصال مع الطبيعة ومنتوجاتها المدهشة.

في فترة صبانا أتذكر أننا تجولنا بين السهل والتلال، عدد منا قام بقطف الزعتر، وآخرون أخذوا يراقبون حركة حراس الأرض الممنوعة حتى لا نقتحمها. نحن أبناء المكان الذين فعلنا ما اعتاد آباؤها أن يفعلوه خلال أجيال، وهو قطف الزعتر والهليون والميرمية والعلق والخبيزة. لم تتذمر الطبيعة في أي يوم بسبب ما فعلناه؛ لأننا لم نجرح في أي يوم سنتيمتراً واحداً من الأرض، سواء في السهل أو الجبل أو الحرش.

في العام 1977 جاء اريئيل شارون في حينه كوزير للزراعة، مع صفته المشهورة "البلدوزر"، جاء ليعلمنا ما معنى محبة الطبيعة والحفاظ عليها. أصدر شارون أمراً بقطف الزعتر والميرمية. وفي الوقت نفسه، هو وأصدقاءه في قيادة الدولة، كانوا يجرحون آلاف الدونمات ويمحون آلاف الأشجار لصالح شق طريق سريع لمن اختاروا العيش على قمة الجبل. لقد أحبوا المناظر الساحرة بثمن آلاف الدونمات التي يسيل منها الدم تحت الإسفلت الوحشي.

وشارون نفسه ذاك بعد ثلاثين سنة تقريباً، في العام 2005، أصدر أمراً لمنع قطف العكوب الذي هو الأكلة المفضلة لدى العرب. المحامي ربيع اغبارية من المركز القانوني "عدالة" شرح بأن المخالفة لا تعتبر إدارية بل جنائية، وتضمنت إلى جانبها عقوبة السجن الفعلي.

شعرنا وكأننا لصوص. عندما تغلبت علينا غريزة الخروج إلى الطبيعة، أنا وزوجتي، تجولنا بين صخور التلال وبحثنا عن الزعتر والنباتات البرية الأخرى، حيث كنت طوال الوقت أتوسل لزوجتي بأن تسرع كي لا يقوم الحراس بضبطنا. في كل لحظة كنت مستعداً للتنازل عن هذا الحمل الخطير الذي خبأته في جيب معطفي الشتوي.

ما هو مصدر هذا الاستحواذ تجاه خروج العرب إلى الطبيعة، حتى بثمن الغرامات والملاحقة؟ هذا سؤال تصعب إجابتي عليه. ربما أنهم جزء من الطبيعة المحيطة بهم. هكذا كانوا وهكذا سيواصلون رغم الحداثة التي تحيط بهم من كل جهة. ولماذا هذا الاستحواذ القوي إلى درجة أنهم يكذبون علناً بقولهم إن هذه الحماية تستهدف حماية النباتات من الانقراض، حتى لو كانت هذه غير موجودة في قائمة سلطة الطبيعة والحدائق.

خلافاً لمجموعات الطلائع الصهيونية التي انطلقت متراكضة إلى كل قطعة أرض، فإن العرب أحبوها ببطء وهدوء ومن خلال الاكتفاء بما حولهم. لم يفكروا باحتلال البلاد، بل فكروا بالتعايش مع البلاد. وحتى هذا الأمر حاولوا منعه عنهم. ومهما كانت الإجابة، فجيد أن هذه الأوامر جرى إلغاؤها، مثلما قال لنا أمس تسفرير رينات على صفحات هذه الصحيفة. كم هو مفرح العودة إلى الطبيعة دون الخوف من الحراس. هذه المرة ربما سيكونون أصدقاء للطبيعة وليس أعداء لمن يحبونها.

x