مقال: اليهودية التقليدية: الله موجود.. ويخدم حاخاماتنا

الأربعاء 09 أكتوبر 2019 - 01:49 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم الكاتب في صحيفة هآرتس: يغئيل بن نون

 

من المقبول القول إن الشخص الملحد هو شخص ألقى عن كاهله الإيمان بالله. "اتيست" (حرف الألف يشير إلى الإزالة)، هو الذي حرر نفسه من الحالة الشخصية لتيئوس (الله). إذا كان الأمر كذلك يمكن رفع ما هو موجود. الملحد ينفي مقولة أن الله هو الذي خلق العالم، ويفضل القول بأن الإنسان هو الذي خلق الله. علينا عدم إنكار حقيقة أنه على مدى التاريخ الإنساني، كان الإنسان بحاجة إلى الله. في السابق كان هذا سبب الخوف من الموت والمجهول. الإنسان الحديث احتاج إلى الله بسبب الخوف من الفوضى وغياب قانونية مهدئة في الطبيعة، وبسبب التوق إلى ما بعد الطبيعي والباطني وإلى أعجوبة وإلى الرائع بالنسبة لنا. حتى الباحث العقلاني ينشغل بالبحث في خلق العالم. هو مستعد لقبول اللانهاية، لكنه يجد صعوبة في قبول غياب البداية. أهكذا نشأت نظرية الانفجار العظيم؟

 

حدث تعبدي حدث على الكرة الأرضية بين القرن الرابع عشر والقرن الثامن قبل الميلاد، يجسد الحاجة الكامنة لدى بني البشر لآلهة وعبادتها. القصد هو الموقع الأثري في غوبكليتيبي في جنوب تركيا قرب الحدود مع سوريا. في هذا الموقع تم اكتشاف المعبد الأول في تاريخ الإنسانية والموجود حتى الآن. هو يشمل نحو 300 لوحة بارتفاع 3 – 5 أمتار موضوعة في 20 دائرة. هذا الموقع بني قبل آلاف السنين من بناء الأهرامات في مصر وقبل ستونهينغ. أقيم في الفترة التي كان فيها البشر يجمعون الطعام أو يصيدونه كي يعتاشوا. إذا كان الأمر كذلك فإن الحاجة إلى الله سبقت الزراعة والإنسان سكن البيوت. حتى قبل تدجين النباتات والحيوانات من أجل الحصول على الطعام، وجدت الثورة العبادية، وقد سبقت ثورة الكتابة وثورة الزراعة وربما قبل تدجين النار. هل شملت هذه العبادة الآلهة؟ يمكن الافتراض بأن نعم.

 

في بداية القرن السادس قبل الميلاد، أوجدت الفلسفة اليونانية قبل سقراط إحدى الثورات الفكرية الهامة التي غيرت وجه العالم. إذا كانت جميع الثقافات من الصومال وحتى الفرس حتى ذلك الحين قد انشغلت في المقام الأول بآلهة وأبطال فوق مستوى البشر، فإن المفكرين الهيلينستيين قاموا بثورة فكرية بعيدة المدى. لقد استخفوا بالعالم الأسطوري، وحولوا قصص الإلهة إلى الواقع المادي، ونظروا في الطبيعة ومكوناتها الأساسية. لقد أبعدوا الله لصالح الملاحظات العقلانية للكون ومخلوقاته ومبنى المادة والمشاعر عن الموجود وعن الفراغ.

 

في العالم القديم لم تكن العلاقة بين العبادة والآلهة تشبه ما نسميه الآن ديانة. العبادة القديمة شغلت القليل من سكان الممالك. السلطات اعتبرتها في الأساس وسيلة لتوحيد المواطنين حول شيء مشترك. في العالم الهيليني – الروماني جرت تجليات العبادة على الصعيد الرسمي – المدني. كان الهدف الأساسي الاهتمام بسياسة عالمية موحدة تضمن مكانة القيصر في أرجاء الإمبراطورية المختلفة.

 

الشاعر والفيلسوف اليوناني كازانوفا مكارفن (في آسيا الصغرى 475 – 570 ق.م) الذي اعتبر المبشر بالوحدانية، استخف بفكرة أن الله قد خلق الإنسان على صورته وهيئته، كما هو وارد في قصة الخلق وفي سفر التكوين. وقد هاجم تعدد الآلهة وعارض التجسيم في روايات هوميروس واسيدس اللذين ينسبان للآلهة نقاط ضعف وشهوات من أجل تبرير وجود هذه الصفات في المجتمع الإنساني. من بين أمور أخرى كتبا “لو كانت للخيول والأبقار أذرع ولو كانت تستطيع الرسم مثل بني البشر فإن الخيول كانت سترسم آلهة على شكل خيول، وسترسمها الأبقار على شكلها، وسيرسمون جسم الإله بالضبط مثل أجسامهم".

 

العالم الحديث ينظر بصورة مسيحانية للإله الواحد مقابل العالم متعدد الآلهة. الوحدانية أنبتت الديانات التاريخية، اليهودية والمسيحية والإسلام. والوثنية في المقابل لم تنشئ هياكل دينية مع مؤسسات وكتب مقدسة نموذجية ومعتقدات. عملياً، الشرك ليس ديانة بالمعنى المعروف الآن.

 

في نظر الديانات الوحدانية لا يعد العهد متعدد الآلهة سوى فترة ظلامية لشعوب بدائية، لم تصل بعد إلى الوعي. إن عبادة إله واحد كانت بمثابة ذريعة للتفوق الاستعماري الأوروبي في احتلالاته في أمريكا وإفريقيا وشرق آسيا. يمكننا السؤال إذا ما كان إلهاً واحداً -وهو الذي تنسبه كل ديانة لنفسها- هل سيكون مفضلاً على وضع يكون فيه لكل شعب إله خاص به، أو ما هي أفضلية أن يكون إله واحد على إله وزوجته؟ ديانات وحدانية دمرت ملايين الناس كي تفرض نفسها على شعوب أخرى، حتى لو كانت هذه الشعوب تعبد إلهاً واحداً. باسم الديانات، قتل كثير من المؤمنين بها إذا انحرفوا قليلاً عن النهج الأرثوذكسي. من نواح كثيرة، هذه الديانات غير مبنية على مبادئ الأخلاق أو على الإيمان والمعتقدات والآراء، بل على خضوع مطلق لنماذج مقدسة. في اليهودية مثلما حددها الحاخامات لدينا، فقد استبعد الخضوع للوصايا الإيمان بالدين.

 

أضرار الآلهة ليست سوى أضرار ممثليهم الرسميين. هم الذين خلقوا الله على هيئتهم وحسب نقاط ضعفهم وحولوا الآلهة إلى وسيلة لخدمة أهدافهم. هم خلقوا فكرة الإشراف السامي التي يمارسها الله على الفرد ويسيطر عليه. الله يعاقب من يخرق القانون الذي كتبه من أوجدوا هذه الشخصية الافتراضية. المشكلة إذاً ليست وجود أو عدم وجود الله، بل الصفات التي ينسبها له من صنعوه، وبالأساس الرغبة في أن يفرضوا عبادتها على من هو غير معني بها.

 

لا يوجد أي ضرر في أن يتوجه الإنسان لشخصية افتراضية وقت الضائقة. هناك أيضاً من يقول إنه ينفذ الوصايا ليس كأمر إلهي، ولا بسبب الإشراف السامي، بل كقرار شخصي ذاتي. يشعياهو لافوفيتش قرر الخضوع المطلق للوصايا رغم أنها تناقض مبادئه الأخلاقية وعقله المنطقي. لا يوجد هنا حسب تقديري سوى فشل منطقي وضعف رأي.

 

اليهودية التقليدية ذهبت بعيداً ووضعت الصدّيق فوق الإله. لقد وضعوا قاعدة تراكمية بحسبها “الصدّيق يحكم والله ينفذ”. أي أن الله أداة تخدم الحاخام. وأضافوا بأن “الله يقضي والصديق يلغي”. القصة الأسطورية الجريئة عن تنور عخنئي في التوراة تنتهي بدعوة الله نفسه “ابني انتصر عليّ”، أي أن الحاخامات لا يخدمون الله، بل العكس، هو يخدمهم ويخدم رغباتهم. من الذي يسيطر على الإنسانية إذاً، الله أم ممثلوه؟

 

من المهم تناول انتقاد ديانة لكونها ديانة. الديانات التوحيدية، تاريخها وكتاباتها القانونية، تستحق تناولاً نقدياً. إذا كانت الديانات قد وضعت الله في مركز عالمها، وإذا كانت حركات وطنية فاشية قد وضعت الدولة فوق الجميع، فإن الإنسانية الأخلاقية الآن تضع الإنسان في مركز تكوينه. لا يجب محاربة الله، بل يجب محاربة من يسيء استخدامه.

x