مقال مترجم..

وحدنا في المجال

الجمعة 27 ديسمبر 2019 - 09:39 مساءً بتوقيت القدس

حسين جبارين - عكا للشؤون الاسرائيلية

ترجمة: مركز "عكا" للدراسات الإسرائيلية

بقلم: ألون بن دافيد - معاريف

في الأسابيع القريبة القادمة، سيعرض الجيش الإسرائيلي على الكابينت التقدير الاستخباري السنوي، الذي أدخلت إليه هذه السنة أقاليم جديدة، وبينها العراق، بل وحتى أهدافا بعيدة كاليمن. وسيتعين على الاستخبارات الإسرائيلية أن تتمدد في السنة القريبة القادمة في فشخة واسعة وأليمة بين عدد غير مسبوق من الساحات تبرز فوقها جميعها إيران، التي تسير نحو استئناف برنامجها النووي.

وأشار رئيس الأركان أفيف كوخافي هذا الأسبوع إلى العزلة التي بقيت فيها إسرائيل في هذه الساحة، وثمة من يشتاق منذ الآن للاتفاق النووي السيء الذي توصل إليه براك أوباما.

 

جمرات الاحتجاج لا تزال تشتعل في إيران. وريح مفاجئة كفيلة بأن تشعلها أيضا بعد أن تبجح النظام هناك بقتل 1.500 من مواطنيه في خطوة قمع المظاهرات. ولكن حتى الاحتجاج الداخلي لم يضعف تصميم النظام على مواصلة التموضع في سوريا والتقدم خطوة إثر خطوة نحو توسيع برنامجه النووي. "لا توجد عمليات رد ولا يوجد ردع لأعمال الإيرانيين"، قال رئيس الأركان كوخافي، وبكلمات أخرى – لا توجد الولايات المتحدة. فقد هجرت الشرق الأوسط ودور الشرطي العالمي.

 

لا يخفي الرئيس الأمريكي رغبته في اتفاق نووي جديد مع إيران، ومعقول أن يسر النظام في الجمهورية الإسلامية الوصول إلى اتفاق ينزع عنه عبء العقوبات. ولكن الإيرانيين في هذه الأثناء يرفعون السقف، ومجرد إعادة التحريك للبرنامج النووي كفيل بإنتاج قصور ذاتي خاص به. منذ نيسان أنتجت إيران نحو 650 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب على مستوى متدن (4 في المئة) ضعف ما هو مسموح لها وفقا للاتفاق السابق. وتيرة التخصيب الحالية لديها هي نحو 180 كيلوغرام في الشهر، ما يعني أنها على مسافة أقل من سنة عن الهدف – 1.300 كيلوغرام اللازمة لإنتاج القنبلة الأولى.

 

لا تزال إيران تمتنع عن تخصيب اليورانيوم إلى مستوى أعلى، ولكنها تنصب أجهزة طرد مركزي متطورة في منشآت التخصيب لديها في نتناز وفوردو وتعمل على نماذج أكثر تقدما، يمكنها أن تخصب اليورانيوم بسرعة أعلى بخمسين ضعف من أجهزة الطرد المركزي الموجودة. إن استئناف التخصيب لليورانيوم في منشأة فوردو التحت أرضية يبدأ في إعادة إيران لما وصفه ايهود باراك بأنه "مجال الحصانة"، المجال الذي لا يعود فيه حتى للهجوم الجوي إمكانية لوقفه.

 

لقد أعلنت إيران منذ الصيف بأنها بدأت تجمع أيضا كمية كبيرة من المياه الثقيلة وأنها ستستعد لتفعيل المفاعل في أراك والذي يمكنه أن ينتج لها البلوتونيوم أيضا. هذه الإعلانات لم تحققها الجمهورية الإسلامية بعد، ولكنها كفيلة بأن تكون المرحلة التالية لابتعادها عن الاتفاق. لقد تحدث رئيس الأركان كوخافي هذا الأسبوع عن علماء يعملون على رؤوس متفجرة نووية، ولكن حتى الآن لا يوجد أي بديل على أن إيران استأنفت نشاط "مجموعة السلاح" – الهيئة التي يفترض بها أن تطور سلاحها النووي.

 

يبدو أن كوخافي قصد الآلية التي تنتج عند استئناف النشاط البحثي والإنتاجي كما قصد العلماء المتحمسين الذين بطبيعتهم يدفعون نحو توسيع النشاط النووي وإثبات نجاعة بحوثهم. وحذر من "الاقتحام إلى الأمام " للإيرانيين - الركض نحو تركيب القنبلة الأولى، وإن كانت هذه تعد في الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية كالإمكانية الأقل معقولية. معقول أكثر أن تواصل إيران توسيع البرنامج النووي بحذر دون تحطيم الأواني والاندفاع نحو القنبلة. هذا سيقربها إلى مسافة انطلاقة قصيرة نحو القنبلة الأولى – أو يجلبها هي والامريكيين إلى مفاوضات على اتفاق نووي جديد.

 

ولكن توجد إمكانية أخرى – استمرار الضغط الاقتصادي وتعاظم الاضطراب الداخلي كفيلان بدفع إيران نحو المبادرة إلى عملية هجومية جدا تجاه الأمريكيين تُجبر حتى ترامب على العمل ضدها. مثل هذا التصعيد من شأنه ببساطة أن يجرف إسرائيل أيضا.

 

طوق خانق

إن مشكلة الجيش الإسرائيلي هي أنه في غياب حكومة وميزانية يضطر لمواصلة العمل تحت خطة العمل "جدعون" التي انطلقت على الدرب قبل نحو أربع سنوات. في حينه، عندما وقع الاتفاق النووي، قرر رئيس الأركان في ذاك الوقت، غادي آيزنكوت، استغلال نافذة الفرص وحرث مقدرات استخبارية ذات مغزى إلى جبهات ومجالات أخرى. أما الآن فالاستخبارات ملزمة بان تعود للتركيز على إيران.

 

ستكون المهمة استئناف المتابعة الدقيقة للبرنامج النووي الإيراني كي لا نفاجأ بخطوة سرية أو بوتيرة تقدمها. وبالتوازي سيتعين على إسرائيل أن تجد السبيل للعودة إلى ابطاء التقدم الإيراني. في الماضي نسبت لإسرائيل عمليات تخريب كهذه وغيرها للعتاد النووي، بما في ذلك تصفية علماء، ويجدر بالبرنامج النووي المتجدد أن يلتقي إعاقات كهذه في المستقبل القريب أيضا. وإلى جانب ذلك سيتعين على سلاح الجو أن يؤكد مرة أخرى خياره العسكري ضد البرنامج النووي، وذلك لأنه إذا ما فشل كل شيء، ستكون لدى إسرائيل إمكانية لا تعيق بشكل واضح التقدم الإيراني. وسيتطلب هذا استثمارات كثيرة في التدريب على الطيران لمسافات طويلة، التزود بأسلحة ذات صلة والاستعداد لمواجهة محتملة مع حزب الله في مثل هذا السيناريو.

 

لقد حاول كوخافي هذا الأسبوع إجراء احتواء للتوقعات، سواء مع الجمهور الإسرائيلي أم مع اللبناني، لما هو متوقع من الطرفين إذا ما وصلنا إلى مثل هذه المواجهة. فالجبهة الإسرائيلية الداخلية من شأنها أن تتعرض لضربات أليمة، لم يسبق لها أن شهدتها. ولن يكون لإسرائيل مفر غير أن تضرب بشدة كل المناطق التي يعمل منها حزب الله. نصرالله يعرف هذا، ولكن من المهم تذكيره به بين الحين والآخر. مهم أيضا أن يفهم العالم والمحكمة الدولية في لاهاي لماذا من شأن آلاف المواطنين اللبنانيين أن يتضرروا في مثل هذه المعركة.

 

منذ ضربت حوامات غريبة الخلاطة المخصصة لإنتاج الصواريخ الدقيقة، يحذر نصرالله جدا تسريع مشروع دقة الصواريخ. فلا يزال لا يوجد إنتاج لصواريخ دقيقة في لبنان، وفي الأشهر الأخيرة لا يوجد تحويل أيضا لصواريخ "غبية" إلى دقيقة. ولكن نصرالله لم يتخلَ عن هذا المشروع الرامي لأن يحقق له توازنا استراتيجيا ضد إسرائيل. وقد ألمح كوخافي له بأنه إذا قام بحركة حادة في هذا الاتجاه – فإن إسرائيل كفيلة بأن تقرر العمل ضد المشروع، حتى بثمن المخاطرة بحرب.

 

في 2019 انشغلنا كثيرا بغزة، عملنا في سوريا، وحسب منشورات أجنبية أيضا في لبنان، العراق وسيناء. في العام 2020 سيتجه اهتمامنا أساسا إلى الشمال وإلى إيران. الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في المنطقة يملأه النفوذ المتعاظم للروس.

 

بعد سنة ونصف من تشجيعنا لترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي تكثر علامات الاستفهام على الحكمة في هذه السياسة. صحيح أن إيران تضررت بشدة من استئناف العقوبات الأمريكية ودخلت في أزمة اقتصادية، بل وربما اجتماعية خطيرة أيضا، ولكنها باتت أكثر عدوانية، أكثر تصميما على مواصلة توثيق طوق الخنق الملفوف على رقبتنا، ونحن أكثر عزلة في الصراع أمامها.

 

المضمون: (الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في الشرق الاوسط يجب أن تملأه الاستخبارات الإسرائيلية، التي ستضطر لأن تواجه في السنة القادمة عددًا غير مسبوق من الساحات، وعلى رأسها إيران).

x