مقال: احتلال بمقاس "3 إكس لارج": هكذا يصبح ضم الضفة ذروة الخيال العقاري للمستوطنين

الخميس 21 مايو 2020 - 01:39 مساءً بتوقيت القدس

جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

بقلم: ميخائيل سفارد - هآرتس 

 

هل سيحدث ضم؟ من الصعب معرفة ذلك. وهذا لا يبدو نهائياً، لكن من الواضح أننا لم نكن قريبين منه يوماً ما إلى هذه الدرجة. الانطباع هو أن هذا القرار الذي يعد الأكثر أهمية لسيادة إسرائيل منذ إعلان الاستقلال لن يُتّخذ في القدس، بل في واشنطن. هذا مهين بدرجة ما. البيت الثالث، كما يتضح، حصلنا عليه بدفع خلو. هناك صاحب للبيت ومن المحظور إغلاق الشرفات دون الحصول على موافقته.

 

مصالح إسرائيلية أو مصالح أمريكية، ولكن الأمر المؤكد هو أن مصالح الفلسطينيين ليست جزءاً من شبكة القوى التي تعمل فيما يتعلق بأراضيهم. لا أقصد مصالح الحكومة الفلسطينية أو مصالح الحركة الوطنية الفلسطينية، بل أقصد الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين، الذين سيؤثر عليهم الضم أكثر من أي أحد آخر، مثل كساب من قرية الرماضين الصغيرة، الذي اختنق بين قلقيلية و"ألفيه منشه"، وناصر من قرية سوسيا في جنوب جبل الخليل، ومئات الآلاف الآخرين. أحد ما يسأل نفسه ماذا سيكون بشأنهم؟ فلتعلموا إذاً: ضم على صيغة إسرائيل هو قبل أي شيء عملية سلب وطرد. هذه عملية عقارية عنيفة. المنطقة التي سيتم ضمها ستشمل أراضي كثيرة بملكية فلسطينيين، ولن يكون من المبالغ فيه القول بأنها جميعها، حتى القسيمة الأخيرة منها، ستتم مصادرتها. جزء على الفور وجزء في عملية ستستمر لسنوات.. كيف؟ من خلال تكتيكات قضائية أساسية. أولاً، عن طريق قانون أملاك الغائبين، الذي تم سنه في العام 1950 من أجل تأميم أملاك اللاجئين الفلسطينيين، وفي اللحظة التيسينفَّذ فيها الضم على المنطقة سيؤدي ذلك إلى مصادرة كل الأراضي التي يمتلكها اللاجئون الفلسطينيون الذين يعيشون في الأردن وسوريا ولبنان، بل إن سكان الضفة الغربية أنفسهم الذين لهم ممتلكات هناك سوف يفقدونها، ومن ناحية تقنية أيضاً هم "سيتحولون إلى غائبين" في اللحظة التي ستطبق فيها إسرائيل قوانينها في ضم المنطقة.

 

هذا ما حدث أيضاً مع سكان الضفة الذين لديهم ممتلكات في شرقي القدس، بعد أن فرض عليها القانون الإسرائيلي. صحيح أن المحكمة العليا قررت بخصوص هذا الغياب الوهمي، أن هؤلاء الأشخاص لم يهاجروا إلى أي مكان وهم موجودون تحت سيطرة إسرائيل وأنه يجب استخدامه في "حالات استثنائية جداً"، ولكن لا يجب أن نكون أصحاب كرة بلور، وعلينا معرفة تاريخ أحكام المحكمة العليا في شؤون الاحتلال والعملية التي تمر فيها المحكمة في السنوات الأخيرة كي نفترض بأن قضاة المحكمة العليا في السنة القادمة سيوسعون الاستثناء إلى أن يصبح قاعدة كما حدث في كثير مما انتهك حقوق الفلسطينيين.

 

حتى في الحالات التي لا يسري فيها قانون أملاك الغائبين يمكن لإسرائيل أن تفعل ما لم تستطع فعله في الـ 53 سنة الأخيرة؛ أي أن تصادر مصادرة "عادية" لصالح الجمهور، في الوقت الذي يكون فيه الجمهور هم جماعات المستوطنين. المبدأ القضائي الذي بحسبه لا يجب مصادرة أراض خاصة في الضفة الغربية بهدف توسيع المستوطنات –الذي قضم منه المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت في السنوات الأخيرة – سيتبخر في اللحظة التي سيتم فيها ضم المنطقة. الضم سيفتح مدخلاً لتسونامي من المصادرات لغاية توسيع المستوطنات.

 

هذه النبوءة (أن تتم مصادرة أراضي بنطاقات ضخمة) ليست نبوءة غضب، إنما تنبع من فهم خيالات الضم. النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني نزاع جغرافي. ولماذا يتم الضم إذا لم يكن بالإمكان سرقة الأرض.

 

إلى جانب السلب، قد يؤدي هذا الضم بكثير من الفلسطينيين وكذلك بمجموعات سكانية فلسطينية كثيرة، إلى خطر التهجير القسري. الحكم العسكري في الضفة مسؤول منذ 53 سنة عن سجل السكان الفلسطيني، وهو في هذا الإطار يمنع الفلسطينيين من تغيير عنوان السكن طبقاً للمصالح الاستيطانية لحكومة إسرائيل. كما حدث في مناطق عنيت إسرائيل بإخلائها من الفلسطينيين، مثل جنوب جبل الخليل وغور الأردن وشارع التفافي القدس، حيث تسكن مجموعات سكانية صغيرة لا تعترف بها إسرائيل. لذلك، فإن مجموعات سكانية مثل الخان الأحمر وسوسيا يهددها خطر الطرد اليوم. ولكن إذا تم ضم هذه المناطق فإن عشرات المجموعات السكانية التي لا تعترف بها إسرائيل وسكانها مسجلون كمن يسكنون خارج المنطقة التي تم ضمها، وسيتحولون في نفس اللحظة إلى ماكثين غير قانونيين في بيوتهم، والذين سيجدون أنفسهم فجأة في إسرائيل الموسعة وسيف الطرد يسلط على رقابهم. سيتحول طردهم من مسألة تخطيط وبناء إلى مسألة "إبعاد متسللين" من إسرائيل "السيادية".

 

انظروا مثلاً إلى القرية الصغيرة عرب الرماضين. 350 شخصاً هم من أبناء قبيلة بدوية، لاجئون من منطقة اللقية في النقب، الذين اضطروا عند قيام الدولة إلى الهرب للضفة. اشتروا تلة في جنوب قليلية ويسكنون هناك حتى الآن. في الثمانينيات أقيمت قربهم مستوطنة "الفيه منشه"، التي سيطرت على معظم أراضي رعيهم. وفي سنوات الألفين أقيم حولهم جدار الفصل وتم حبسهم في جيب يفصل بينهم وبين باقي الضفة. والإدارة المدنية لا تعترف بهذه القرية، لهذا يعاني سكانها من عمليات هدم ممنهجة.

 

من يعرف الاحتلال الإسرائيلي جيداً يعرف أن كل المحتلين لم يولدوا متساوين، فهناك محتلون أكثر، وهناك محتلون أكثر فأكثر. احتلال سكان الرماضين هو "3 اكس لارج"، هم مرتبطون بالإدارة المدنية في كل شيء، ومطلوب منهم الحصول على التصريح لمواصلة العيش على تلّتهم تلك والخروج منها بالسيارة، والدخول إليها لتوفير احتياجاتهم، ولكي يتنفسوا. في الماضي، عندما غضب منهم سكان مستوطنة "الفيه منشه" بسبب حمار خرج من القرية وقطع الشارع، قطعوا المياه عن الرماضين كي يتعلموا. الإدارة المدنية استغلت حاجتهم، وبذلت جهوداً ضخمة في السنوات الأخيرة لتنغيص حياتهم من أجل إقناعهم بالانتقال إلى المكان الذي اقترح عليهم والذي يقع شرقي الجدار. هكذا سيكون هذا الجيب “نظيفاً” من الفلسطينيين.

 

"إذا انتقلتم ستكون لكم بيوت حجرية جميلة وليست أكواخاً من الصفيح"، قالوا لهم. ولكن سكان الرماضين رفضوا بعناد وبصورة مستمرة. ولأن القرية غير معترف بها، فإن الإدارة المدنية تصدر لسكانها الفلسطينيين بطاقات هوية بتسجيل يتبع مدينة قلقيلية.

 

إذا تم ضم جيب "الفيه منشه" فسيتحول سكان الرماضين في نفس اللحظة إلى ماكثين غير قانونيين. وفي نهاية المطاف سيتم طردهم. وفي اللحظة التي سيجدون فيها أنفسهم في الجزء غير المضموم من الضفة ويتحولون إلى لاجئين للمرة الثانية، فهم أيضاً سيتحولون إلى غائبين وربما سيتم تأميم تلك التلة التي اشتروها. ومن المحتمل أن يقام حي جديد في "الفيه منشه" على أنقاض الرماضين، ربما يسمونه "رمات دين"، لأن إقامته تمت حسب القانون.

x