بين دافعية الجيش الإسرائيلي للقتال وكفاءة المقاومة

الثلاثاء 11 أغسطس 2020 - 09:10 مساءً بتوقيت القدس

حسين جبارين - عكا للشؤون الاسرائيلية

رامي أبو زبيدة - كاتب وباحث بالشأن العسكري والأمني

شاهدت الفيلم الذي ترجمه ونشره موقع "عكا" ويروي تفاصيل مثيرة لجنود جولاني عن جحيم الشجاعية في حرب 2014، تعليقي عليه من جانبين الجانب الأول يتعلق بجاهزية ودافعية الجيش الإسرائيلي للقتال والجانب الآخر متعلق بالكفاءة القتالية والاستعداد القتالي لقوات المقـاومة خلال حرب 2014:

 

الجانب الأول: جاهزية ودافعية الجيش الإسرائيلي للقتال:

 

واضح من خلال شهادات الجنود الذين يقاتلون ميدانياً للمرة الأولى أن المفاجأةُ كانت بسبب أن هناك فجوة كبيرة بين الاعتراف بالتهديد وفهمه واستيعابه أثناء القتال، وهناك فجوةٌ بين النَّظرة السّائدة والواقع في ميدان القتال، وهناك منافسةٌ بالتَّعلُّم، وتقدير الموقف، وأخذ العبر بين الجيش الإسرائيليّ والمقاومة.

 

الفيلم أوضح عدَّة أسباب لفشل العدوِّ في التَّنبُّؤ بساحة المعركة والاستعداد لها، منها الإِخفاقات الاستخباراتيَّة، والفشل في اتّخاذ القرار، وإخفاقات الجندي نفسه، ويتمُّ التَّعبير عن إخفاقات الجنديّ في عدم فهمه للتَّعليمات وما يترتَّبُ على ذلكَ مِن تَرجمةٍ خاطئةٍ على أرضِ الميدان.

 

هذه الفجوة لدى العدوِّ ليست موجودةً على المُستوى الاستراتيجيِّ فقط، ولكن أيضًا في العمليّات التَّكتيكيَّة، فالعمليات بالشجاعية سواء استهداف آليات العدو والاختطاف والعمليات خلف خطوط العدو من خلال الأنفاق تحوَّلت من تهديدٍ تكتيكيٍّ إلى مشكلةٍ استراتيجيَّةٍ في ساحة المعركة، فالقتال في الأزقة وبين البيوت وعلى تخوم الشجاعية شمل قدرًا كبيرًا من المعلومات والعوامل المسبّبة للمفاجأة، وتحول العملَ التكتيكيَّ إلى عملٍ ذي أهميَّةٍ استراتيجيَّةٍ في القتال.

 

هذه المشاهد تؤكد ما ورد في تقرير الجنرال إسحاق بريك مفوض شكاوى الجنود، حول عدم جاهزية الجيش لأي مواجهة عسكرية، في ظل العديد من الثغرات التي تحيط به والتي شكلت سابقة خطيرة في دولة الاحتلال، حول القصور في صيانة العتاد العسكري والمدرعات، وتراجع نوعية التدريبات، وتراجع في رغبة الضباط بالالتزام بالخدمة النظامية لسنوات طويلة، كل ذلك أثار الجدل حول المؤسسة العسكرية التي تعتبر ذات قداسة ومكانة لدى المجتمع الاسرائيلي.

 

الجيش الاسرائيلي ورغم التفوّق التسليحي والتكنولوجي، إلا أنّه يفتقر للدافعية القتالية التي تعدّ أحد أبرز الثغرات في الجيش، وهذا ما أكده ألون بن دافيد، الخبير العسكري في القناة العاشرة، حين قال إن "المشكلة التي يواجها الجيش تكمن في عدم جاهزيته للمعركة القادمة، وليس مردها إلى نقص في المعدات أو شح في الإمكانيات، وإنما في عدم وجود الحافزية عند الجنود والضباط لخوض القتال".

 

الجانب الثاني: الكفاءة القتالية والاستعداد القتالي لقوات المقـاومة خلال حرب 2014:

 

أوضح المشاهد وروايات الجنود وما نعلمه عن العمليات التي نفذتها المقاومة أن تطور الأداء العسكري للمقاومة المبني على التخصُّص والاحتراف في كل المجالات القتالية أدت الى إرباك حسابات العدو ميدانياً.

 

إن المقـاومة استغلت فترات الهدوء بالإعداد والتجهيز، وأعمال التدريب ليلاً ونهاراً وفي مختلف الظروف الجوية، وعلى الأراضي التي تشابه أرض المعركة الحقيقية مع ملاحقة مستويات الكفاءة المعاصرة، وما يستجد في ساحة القتال من أساليب قتال حديثة أو تطور في أسلحة القتال، وعدم السير على نمط واحد.

 

بل إننا نلاحظ من خلال المعارك التي خاضتها مع العدو الصهيوني أنه أنشأ قواتها ودربتها على تغيير الخطط، مع خلق مواقف معركة مفاجئة وغير متوقعة حتى تتعامل مع أسوأ المواقف التي يمكن أن تتعرض لها في ميدان القتال.

 

وصل جنود القسام إلى الاحتراف كلٌ في مجال عمله وتخصصه العسكري، كذلك زادت الخبرة والاحتراف القتالي في الميدان الحقيقي للمعركة لدى رجال المقاومة من قوتها ومناعتها، فالمقاتلون الذين خاضوا معارك شرسة شرق قطاع غزة وشماله في حرب العصف المأكول وواجهوا جنود العدو وجهاً لوجه عادوا بثقة أكبر، وكسروا أي حاجز نفسي كان من الممكن أن يشكل عائقاً أمام المقاتل الفلسطيني.

 

 لذلك لا نستغرب إذا استمعنا لشهادات جنود الاحتلال العائدين من المواجهات مع الكتائب من قبيل "نحن نقاتل جيشاً نظامياً عالي التدريب.. ليست هذه غزة التي تركناها قبل سنوات! " وهذا المحلل العسكري الإسرائيلي "آفي يسخاروف" يقول: "إن كتائب القسام بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة أصبحت بعيون العالم ليست مجموعة من المقاتلين الهواة أو خلايا مسلحة"، وإن جيش القسام أصبح قوة رادعة خاضت أصعب ثلاثة حروب ما كان لجيش في دولة أن يتحملها، بل إن عملية "ناحل عوز" المصورة ومشهد الجندي الإسرائيلي وهو يصرخ خوفاً أوصلت للجميع .. للعدو والصديق رسالة مفادها أن مقاتلي القسام باتوا يمتلكون من الحرفية العسكرية في أرض المعركة ما يضاهي ويتفوق على مقاتلي أكثر الدول تقدماً، فهذا الجندي الإسرائيلي الأكثر إعداداً وتسليحاً في المنطقة، يسقط أمام مقاتلي القسام مذعوراً، فقوة مقاتلي القسام تكمن في "الإنسان" وليست في السلاح أو العتاد فقط، فكتائب القسام تراهن على المقاتل وعقيدته وخبراته القتالية المتراكمة.

 

أخيراً العقول المبدعة لدى المـقاومة والتي أثبتت في كلِّ المراحل قدرتَها على مفاجأتِه بإبداعاتها الجديدة، لعلَّ قادم الأيّام سينبِئُ بما قد يحدُث ويؤكد على إخفاقات الجيش المتكررة  في عدم فهمه للتَّعليمات وما يترتَّبُ على ذلكَ مِن تَرجمةٍ خاطئةٍ على أرضِ الميدان.!

x