المغرب وإسرائيل.. دوافع أمنية تحت عباءة التطبيع

الأحد 05 ديسمبر 2021 - 05:18 مساءً بتوقيت القدس

أحمد سمير - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

شهدت العلاقات المغربية الإسرائيلية حالة من المد والجزر استمرت نحو 6 عقود مضت، ويعود تاريخ العلاقات بين الطرفين إلى الخمسينيات من القرن الماضي، وبالرغم من أن العلاقات بين الرباط وتل أبيب بدأت رسمياً عام 1994 إلا أنها تمتد إلى سنوات وعقود أطول، إذ شهد مطلع الخمسينيات هجرات ليهود مغاربة إلى إسرائيل، ولقاءات بين مسؤولين من الطرفين شملت ملك المغرب ورئيس وزراء إسرائيل.

 

 ومؤخراً وصل التطبيع بين المغرب وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، بعد توقيع الطرفين لأول مرة يوم الأربعاء 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، على مذكرة تفاهم دفاعي هي الأولى من نوعها بين تل أبيب ودولة عربية، وتمهد هذه الاتفاقية المثيرة للجدل الطريق لتعاون عسكري مشترك بينهما وعقد صفقات أسلحة مختلفة، ما يفتح المجال للتساؤل حول طبيعة تلك العلاقات وتاريخها ودورها في المساهمة في دعم اتفاقيات التطبيع بين العرب وإسرائيل.

 

كان المغاربة كما العديد من شعوب الدول العربية في حالة حرب مع إسرائيل منذ عام 1948، حيث انخرطت مجموعة من المغاربة في جيش المتطوعين العرب للمشاركة في الحرب العربية مع إسرائيل عام 1948، والتي قتل خلالها عدد من المغاربة في معارك الدفاع عن مدن القدس ويافا وحيفا وغزة، ولكن مع تولي الملك الحسن الثاني لعرش المملكة عام 1961 انتقلت العلاقات بين إسرائيل والمغرب نقلة نوعية أثارت جدلاً واسعاً في البيئة العربية رسمياً وشعبياً.

 

وبرزت العلاقات بين الطرفين عندما نفذت المخابرات الإسرائيلية (الموساد) عملية "ياخين" بين نوفمبر 1961 وعام 1964، والتي هاجر خلالها بشكل سري أكثر من 97 ألف يهودي مغربي عبر أوروبا إلى إسرائيل، وتم ترتيب الهجرات عبر اتفاق سري بين شعبة الموساد "ميسغيريت" والسلطات المغربية، وتلقى المغرب مقابل ذلك مِنحاً مالية بلغت الدفعة الأولى منها نصف مليون دولار، بالإضافة إلى 100 دولار عن كل مهاجر لأول 50,000 يهودي مغربي، ومن ثم، 250 دولار عن كل مهاجر بعد ذلك.

 

علاقات سرية

في الثالث عشر من شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1965، عُقد في الرباط مؤتمر القمّة العربيّة  برعاية العاهل المغربيّ الحسن الثاني، وتشير المصادر إلى أن فريقًا من الاستخبارات الإسرائيلية زار المغرب قبل موعد القمة بتنسيق مع القيادة المغربية؛ حيث تسّلم الفريق الإسرائيلي مباشرة بعد نهاية القمة كل التسجيلات لما دار فيها، وقد شكّلت هذه العملية وفق رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال شلومو غازيت؛ واحدة من "أكبر إنجازات الاستخبارات الإسرائيلية، إذ ساهمت في تهيئة سبل الانتصار لإسرائيل على الجيوش العربية في حرب 1967".

 

من ناحية أخرى عملت المغرب بقيادة الملك الحسن الثاني على استثمار علاقاتها بإسرائيل في متابعة رموز المعارضة المغربية بالخارج، وقد اعترف ليفي أشكول أن بلاده قدمت مساعدة تقنية لتحديد مكان المُعارض المغربي المهدي بن بركة عام 1965، الذي تم متابعته من قبل الموساد الإسرائيلي بالاتفاق مع المخابرات المغربية، والذي توفي تحت التعذيب أثناء التحقيق معه من قبل المختطِفين في فيلا بأحد ضواحي باريس.

 

منذ اعتلاء الملك الحسن الثاني عرش المغرب ظل خيط رفيع يربط بين الرباط وتل أبيب، ولم ينقطع حتى في أوج الصراع (العربي – الإسرائيلي) وغليان الشارع المغربي بهذا الخصوص، إذ سبق لشلومو بنعامي وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق أن قال: "إن الملك الحسن الثاني كانت له نظرة برغماتية ثاقبة ببعدين، السعي إلى الاقتراب من الغرب، والتوق لربط علاقات منتجة بين اليهود والمغرب". 

 

ودخل المغرب على خط العمل الدبلوماسي السري مع إسرائيل لترتيب أوراق ما بعد حرب أكتوبر 1973، حيث كانت الرباط تقوم بالوساطة بين الإسرائيليين والمصريين، واستقبلت سراً مسؤولين منهما تمهيداً لإبرام اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل عام 1979، وقد ظلت قنوات الاتصالات السرية بين المغرب وإسرائيل مفتوحة برغم المقاطعة العربية، وكانت أهم فتراتها استقبال الحسن الثاني علناً، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز عام 1986.

 

بين أوسلو وأبراهام

لعب اتفاق أوسلو دوراً كبيراً في تهيئة الظروف الموضوعية لإخراج اتفاقات التطبيع بين بعض الحكومات العربية وإسرائيل إلى الضوء بعدما كانت في معظمها سرية، ومن اللافت أن تاريخ توقيع اتفاق أبراهام بين الإمارات والبحرين من جهة، وبين إسرائيل من جهة أخرى كان في 13 سبتمبر 2020 هو ذات التاريخ الذي تم فيه توقيع اتفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات مع إسرائيل في 13 سبتمبر 1993 في العاصمة النرويجية أوسلو.

 

ووقعت أربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، اتفاقيات لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بوساطة أمريكية في 2020، وأطلق عليها اسم "اتفاقيات أبراهام"، ومنذ توقيع اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل برعاية أمريكية، تسير العلاقات بين الطرفين في منحى تصاعدي توّج بتبادل للتمثيل الدبلوماسي، إذ عيّنت المغرب ممثلاً لها في تل أبيب، بينما افتتح وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد مكتباً تمثيلياً لتل أبيب بالعاصمة المغربية الرباط، ووقع خلال زيارته تلك مع نظيره المغربي ثلاث اتفاقيات تهم مجالات السياسة والثقافة والسياحة.

 

اتفاقية التعاون الدفاعي

لم يمضِ عام على تطبيع العلاقات بين الطرفين حتى وصل وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس الثلاثاء 23 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى الرباط، في زيارة وصفتها الأوساط الإسرائيلية بالتاريخية، هي الأولى لوزير جيش إسرائيلي إلى المغرب، حيث وقّع الطرفان مذكرة تفاهم دفاعية في الرباط، الأمر الذي يمهد الطريق للمبيعات العسكرية والتعاون العسكري بينهما.

 

هذه الاتفاقية ستتيح للمغرب اقتناء معدات أمنية إسرائيلية عالية التكنولوجيا بسهولة، إضافة إلى التعاون في التخطيط العملياتي والبحث والتطوير، كما يُتوقع أن هذه الاتفاقية ستركز على عدة مشاريع أمنية في مقدمتها المناورات العسكرية المشتركة، والتعاون الأمني في مراقبة خطوط النقل البحري في البحر الأبيض المتوسط، على أن يتم توقيع عدد من اتفاقيات بيع الأسلحة والاتفاقيات المتعلقة بقضايا الدفاع بين الطرفين.

 

وتسعى الرباط إلى الاستفادة من تقدم تل أبيب في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الحربية، خاصة فيما يتعلق بالتفوق الإسرائيلي في مجال صناعة الطائرات بدون طيار، والأنظمة الدفاعية مثل منظومة القبة الحديدية، والتطبيقات الإلكترونية لأغراض أمنية، مثل تطبيق بيغاسوس الذي طورته شركة "إن إس أو" الإسرائيلية، حيث اتهمت المغرب باستعمال التطبيق الأمني لاستهداف صحافيين ومعارضين وشخصيات سياسية مغربية وأجنبية، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو ما نفاه المغرب.

 

أهداف إسرائيلية

تهدف اتفاقية التعاون الدفاعي بين المغرب وإسرائيل إلى وضع حجر الأساس لإقامة علاقات أمنية مستقبلية بين الطرفين، هذا في ظل تصاعد التوترات بين المغرب والجزائر بسبب أزمة الصحراء الغربية، وقد كشفت صحيفة "إل إسبانيول" الإسبانية نقلاً عن مجلة "أفريكا إنتليجنس" الفرنسية المتخصصة في العلوم السياسية والاقتصادية للدول الإفريقية، أن التعاون بين إسرائيل والمغرب قد يشمل بناء قواعد عسكرية تطل على البحر المتوسط، ومن المتوقع أيضاً أن تستغل إسرائيل الأراضي المغربية، في إنشاء قواعد أمنية واستخباراتية لها على حدود الجزائر والمحيط الأطلسي، وذلك لتعزيز تموضعها الاستراتيجي على الطرق والممرات البحرية المهمة.

 

كما تسعى إسرائيل وفق الصحيفة للاستفادة من هذه الاتفاقية لتطوير صناعة مغربية محلية لإنتاج طائرات بدون طيار، وأن المغرب وإسرائيل يعملان لأول مرة على تطوير مشروع لتصنيع طائرات "الكاميكاز" بدون طيار في المغرب، وهو ما من شأنه أن يمكّن الإسرائيليين من إنتاج طائرات بدون طيار بكميات كبيرة وبثمن أقل بكثير في المغرب، ما سيسمح لهم بالتموضع جيدا في أسواق التصدير المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية والأمنية الفائقة على المستوى الدولي.

 

من ناحية أخرى تهدف إسرائيل من خلال عقد هذه الاتفاقية للتأثير في طبيعة النزاع القائم بين الجزائر والمغرب حول مسألة الصحراء الغربية، حيث أدى تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل مقابل اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء، إلى تصعيد التوترات بين الجزائر والرباط، ما دفع الجزائر للتنديد بـ"الاتفاقيات الهادفة إلى زعزعة استقرارها"، واعتبرت هذا الاتفاق "تهديداً أمنياً مباشراً لها".

 

استناداً إلى ما سبق نستنتج أن إسرائيل مستمرة بالتغلغل في البيئة العربية، وفي شمال أفريقيا هذه المرة عبر البوابة المغربية، واضعةً نصب عينيها الاستثمار الأمثل للأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية لهذا الإقليم الممتد من البحر المتوسط وحتى المحيط الأطلسي، بعد تعزيز تموضعها في البحر الأحمر وبحر العرب للسيطرة على الممرات البحرية، وتعزيز نفوذها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط، ومزاحمة القوتين التركية والإيرانية على قيادة الشرق الأوسط.

x