أردوغان أغضب كثير من الدول وقام بخطوة أخرى نحو تحوله إلى السلطان بلا منازع

الإثنين 18 يوليو 2016 - 10:10 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية

بقلم: اليكس فيشمان - يديعوت

سيسجل الانقلاب العسكري في تركيا في صفحات التاريخ بأنه “تمرد الغريب”. فكلما تبددت السحب من فوق المجريات في تلك الساعات القليلة التي وقع فيها هذا التمرد، تتلبد سحب جديدة من الشكوك حول منطقه والدوافع التي وقفت خلفه. فلا غرور أنه يجري في الشبكات الاجتماعية في تركيا حديث عن “انقلاب مبرمج” من مدرسة اردوغان. وسواء كان في نظرية المؤامرة هذه ما هو حقيقي أم لا، فقد كان هذا تمردا عاجلا: برز من اللامكان، فاجأ كل العالم – بما في ذلك الأتراك أنفسهم – واندثر بسرعة مخلفاً وراءه قائد واحد متوج بالمجد: رجب طيب اردوغان.

كان هذا في واقع الأمر “تمرد العقداء”، الذي انجرف إليه بعض من أصحاب الرتب الأعلى. وبالإجمال شارك فيه أكثر من  2.000 شخص، بالأساس من ذراعي الجو والبحر. وكان أحد المتآمرين البارزين هو العقيد محرم كوسا. ليس بطلاً قومياً معروفاً، بل مستشارا قاتما ومجهولا في الشؤون القانونية لرئيس الأركان التركي. ليس واضحاً كيف فكر المتآمرون بالضبط في أن يجروا وراءهم الجماهير دون أن يقف على رأسهم زعيم كايرزماتي، كما ليس واضحا أي تيارات في داخل المجتمع التركي يمثل هؤلاء العقداء.

حاي ايتان كوهن ينروجاك، خبير في الشؤون التركية في مركز دايان في جامعة تل أبيب، يشير إلى حقيقة أن المتآمرين أسموا أنفسهم “مجلس سلامة الوطن” السلامة بمعنى “الصلح” – وهو تعبير استخدمه "أبو الأمة التركية الحديثة" كمال أتاتورك. واذا كان كذلك، فقد كان هذا ظاهرا انقلاب ضباط اتاتوركيين، علمانيين، ضد النظام الإسلامي. وبالمقابل، تتهمهم الحكومة التركية بأنهم من مؤيدي فتح الله غولان – الخصم الايديولوجي المرير أردوغان. غير أن غولان هو بالذات إسلامي. كما أن التقدير بأن الضباط قرروا اسقاط اردوغان لأنه تقرر اقالتهم في اطار اصلاحات في قيادة الجيش التركي لا يثبت أمام  الاختبار. فهذه طقوس سنوية، دائمة، يبدل فيها المجلس العسكري الأعلى الضباط في قيادة الجيش.

لم تكن هناك مؤشرات تدل على التمرد القريب. فعندما أغلق المتمردون جسر البوسفور، الذي يربط بين آسيا واوروبا، اعتقد الكثيرون بأن الحديث يدور عن إخطار بعملية كبرى. وفقط حين بدأت طائرات اف 16 تحلق على ارتفاع منخفض في سماء المدينة بدأ الناس يفهمون بأنه يجري انقلاب. ويذكر التوقيت الذي اختاره المتمردون جداً بالتمرد العسكري الفاشل في روسيا في 1991، والذي بدأ عندما كان غورباتشوف يقضي إجازة في داتشيه على شاطئ البحر الأسود. وسيطر المتمردون الأتراك هم أيضا على هيئة الأركان عندما كان أردوغان في إجازة في مرمريس. ومن هنا فصاعدا تطرح أسئلة غير قليلة حول شكل سير هذا التمرد. فالمتمردون يسيطرون على المطار الدولي في الجانب الاوروبي و “ينسون” المطار الدولي في الجانب الاسيوي من اسطنبول (صبيحة).

يسيطرون على جسر البوسفور على مبنى هيئة الاركان، ولكن دون أي محاولة لاعتقال القيادة التركية الحاكمة. والفندق الذي يمكث فيه أردوغان لا يقصفونه إلا بعد أن يكون غادره، ولا يحاولون اسقاط الطائرة الرئاسية. ويعلن أعضاء البرلمان في محطات التلفزيون الهامة بأنهم يعتزمون الاجتماع في مبنى البرلمان لدعم الحكومة، ولكن أياً من جيش المتمردين لا ينتظرهم هناك. كما أن رئيس الوزراء ووزير الداخلية يتحدثان في وسائل الاعلام بلا عراقيل. محطة البث الوحيدة التي يسيطر عليها المتمردون، المحطة الوطنية TRT1هي محطة واحدة من أصل عشر محطات تلفزيونية واحدة. وتجرى مقابلة مع اردوغان في المحطة التلفزيونية الشعبية CNN ترك. وفقط بعد أن تنتهي المقابلة يأتي المتمردون ويسيطرون على المحطة. وبدلا من السيطرة على مبنى البرلمان تقصف طائرة قتالية واحدة مدخل البرلمان وليس مبنى القاعة نفسه. ويهاجم المتمردون البرلمان من الجو، ولكن ليس القصر الرئاسي لأردوغان. أما رئيس الاركان فيعتقلونه لبعض ساعات ومن ثم يطلقون سراحه.

في السبت كانت لا تزال هناك معارك في دار الحكومة في  أنقرة وفي عدة قواعد عسكرية في مدن أخرى. وهناك أيضا سقط معظم الضحايا. ودخلت الشرطة التركية إلى السجون العسكرية المركزية واعتقلت الضباط المشبوهين بالتعاون. وقد قمع التمرد بسرعة مخلفاً وراءه ثمنا دمويا باهظا. والصور التي ستتبقى من هذا الحدث مضرجة بالدماء هي الأخرى: مروحية لسلاح الجو التركي تعود للمتمردين، تطلق النار بالبث الحي والمباشر على جمهور حاول الاقتراب من هيئة الاركان، وطائرة اف 16 تركية تسقط مروحية قتالية للمتمردين. ومواطنون يقطعون رأس جندي متمرد.

ظاهرا، الشبكات الاجتماعية في تركيا بالذات – والتي يعتبر اردوغان عدوا مريرا لها، هي التي انقذته. فظهوره في التلفزيون، حين دعا الجمهور التركي للخروج إلى الشوارع، تم من خلال “فيس تايم”، وهو برنامج مكالمات فيديو يعود لشركة “ابل”. عمليا، لم يكن للمتمردين منذ البداية أي أمل حقيقي لإسقاط النظام التركي.  وقد بدا هذا كعرض مسرحي تم اخراجه بإهمال.

والآن، يقول الباحث كوهن ينروجاك، سيكون لأردوغان المزيد من القوة. النظام في تركيا سيكون أكثر مركزية بكثير. ثمة غير قليل من رؤساء الدول ممن صلوا في خفاء قلوبهم، كي ينجح هذا التمرد. حتى لو كانوا في نظرة إلى الوراء ، بعد أن فشل الأمر، رحبوا علنا “بالديمقراطية التركية القوية”. لقد اغضب أردوغان الكثير من الدول. والآن قام بخطوة أخرى نحو تحوله إلى السلطان بلا منازع على ما تبقى من الجمهورية التركية.

x