مكاسب مصر الاقتصادية والسياسية من التهدئة بين غزة و"إسرائيل"

الأحد 05 أغسطس 2018 - 10:11 مساءً بتوقيت القدس

مقال بقلم/ صالح النعامي

تدل كل المؤشرات على أن النظام المصري يحاول من خلال دوره في دفع مسار التهدئة بين غزة و"إسرائيل" قدما تحقيق جملة من المكاسب السياسية والاقتصادية. 

فمن ناحية اقتصادية، فإن تطبيق مسار التهدئة المقترح يضمن منح النظام المصري الكثير من المكاسب المهمة.


فقد كشف موقع "وللا" العبري، اليوم الأحد النقاب عن أن مصر هي التي ستتولى استيراد الغاز من "إسرائيل" لصالح تشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة، بحيث يتم ربط المحطة بشكل مباشر بحقل "ليفتان" الذي شرعت تل أبيب في استخراج الغاز منه قبل عام.


ويتوقع أن تتولى شركة "دولفينوس" المرتبطة بالنظام المصري شراء الغاز وبيعه مجددا لمحطة توليد الكهرباء الفلسطينية. وحسب الموقع، فإن المحطة ستعمل في وقت لاحق على استيراد الغاز من "إسرائيل" لمجمع توليد الكهرباء الضخم، الذي يفترض أن يتم تدشينه داخل سيناء لتزويد القطاع بالطاقة، وهذا ما سيسمح لشركة "دولفينوس" بتحقيق أرباح كبيرة.


مع العلم أن هذه الشركة هي ذاتها التي وقعت على عقد لشراء غاز من "إسرائيل" بقيمة 15 مليار دولار، على أن تقوم بإسالته في منشآت إسالة شمال مصر واستخدامه محليا وتصديره إلى أوروبا وآسيا.

علاوة على ذلك، فإن تحديد ميناء بورسعيد كحاضنة للرصيف البحري الذي سيخدم قطاع غزة وتتم عبره حركة الصادرات والواردات من وإلى غزة سيعزز مداخيل النظام من جباية الضرائب والمكوس.

إلى جانب ذلك، فإن هذا مسار التهدئة يزيد من فرص اعتماد غزة على البضائع والمنتوجات المصرية، حيث إن هذه البضائع يمكن أن تنقل عبر ميناء "بورسعيد" ومعبر رفح الحدودي. 

وسيمثل مسار التهدئة دعما كبيرا للأمبرطورية الاقتصادية التي يملكها الجيش المصري، على اعتبار أن الكثير من السلع الرئيسة التي يستوردها قطاع غزة تنتج في مصانع الجيش المصري في سيناء، سيما الأسمنت، ومواد البناء، وغيرها. 


لكن أكبر المكاسب التي يمكن أن يحققها النظام المصري ذات طابع سياسي؛ حيث يسعى النظام إلى توظيف جهوده الهادفة للتوصل للتهدئة إلى تحسين مكانته لدى كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وترسيخ دوره كأحد "ضمانات الاستقرار" في المنطقة.


في الوقت ذاته، فإن النظام المصري يحرص على ضبط مقترحاته المتعلقة بالتهدئة أو بالمصالحة الفلسطينية الداخلية بحيث لا تكون مفاجأة لإسرائيل. فقد أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن النظام يطلع "إسرائيل" مسبقا على المقترحات التي يخطط لنقلها بشأن التهدئة أو المصالحة الداخلية.


وهذا يعني أن المقترحات التي تصيغها القاهرة تضمن على الأقل عدم التصادم مع المصالح الإسرائيلية، على اعتبار أن هذا ينسجم مع نسق الشراكة الإستراتيجية التي تكرست بعد صعود السيسي للحكم.


فنجاح القاهرة في إنجاز مسار لتهدئة مع المقاومة في القطاع يقلص فرص اندلاع حرب، تعي تل أبيب أنه ليس بوسعها تحقيق أية مكاسب بعد انتهائها، ويسمح لها بمواجهة التحديات على الجبهة الشمالية.


وفي حال نجح مسار التهدئة، فإن من شأنه أن يزيد من اعتماد "إسرائيل" على مصر في تحقيق مكاسب كبيرة ذات طابع إستراتيجي.


فعلى سبيل المثال، تزيد المبادرة المصرية بعرض استعداده لتدشين البنى التحتية الاقتصادية التي يفترض أن تخدم غزة في سيناء من شأنه من فرص ارتباط قطاع غزة بمصر ويقلص ارتباطه اقتصاديا بـ"إسرائيل"، مما قد يسهم في المستقبل في تمكين تل أبيب من التنصل من التزاماتها كقوة احتلال إزاء القطاع، من خلال الزعم بأنها لا تتحمل أية مسؤولية أو تبعات عن الواقع الاقتصادي والإنساني في القطاع.


ولعل هذا ما جعل وزراء كبار في تل أبيب يجاهرون بدعمهم لمقترحات التهدئة التي قدمتها مصر. فقد قال وزير المواصلات والاستخبارات الليكودي يسرائيل كاتس في مقابلة مع صحيفة "جيروسلم بوست" نشرتها اليوم أنه سيؤيد أية ترتيبات اقتصادية تقوم على تدشين بنى تحتية داخل سيناء.


في الوقت ذاته، فإن استيراد مصر الغاز الإسرائيلي سيعزز من قيمة نظام الحكم في القاهرة لدى "إسرائيل"، على اعتبار أن تل أبيب تواجه مشاكل كبيرة في تسويق غازها.


إلى جانب ذلك، فإن الجهود التي يبذلها النظام المصري من أجل إنجاح مسار التهدئة وما تستبطنه من حرص على دور وظفي تعد جزءا من تحركاته الأشمل الهادفة إلى مراكمة الشرعية الدولية والإقليمية، على اعتبار أن هذا سيزيد من حرص تل أبيب وواشنطن على إسناد النظام ودعمه.