بعد 25 عاماً على اتفاقات أوسلو: "إسرائيل" تدير حرب استنزاف دبلوماسية

الأحد 09 سبتمبر 2018 - 12:00 صباحاً بتوقيت القدس

سليم النتشة- عكا للشؤون الإسرائيلية

بقلم: عاموس هرئيل - هآرتس

اتفاقات أوسلو التي تحل الذكرى الـ 25 سنة على توقيعها في الأسبوع القادم، انهارت في المقام الأول، بسبب أنها لم تنجح في أن توفر للإسرائيليين مستوى الأمن الشخصي الذي وعدتهم به حكومة رابين ـ بيرس أثناء التوقيع عليها. سلسلة أحداث قاتلة مثل المذبحة التي نفذها باروخ غولدشتان ضد المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي، وموجة العمليات لحماس في الحافلات، واغتيال إسحق رابين، كل ذلك أغرق حلم أوسلو بالدم والنار والدخان. كلما زادت العمليات قل تأييد الاتفاقات وكذلك تأييد الجمهور الإسرائيلي لإخلاء مناطق أخرى، التي بدونها لم يكن بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي.

في عام 2000، عندما بذل كلينتون وإيهود باراك جهودًا أخيرة لإعادة العملية إلى مسارها في مؤتمر كامب ديفيد، وبعد ذلك في مفاوضات طابا، حدث انفجار أكبر ـ الانتفاضة الثانية. والأمل دفن عميقا أكثر تحت الأنقاض. حوالي 1500 إسرائيلي وأكثر من 7 آلاف فلسطيني قتلوا في السنوات التي مرت منذ مراسيم التوقيع على العشب الأخضر في البيت أبيض. هكذا تلاشت الثقة بين الطرفين ودمرت تقريبًا كل احتمالية للعودة والدفع بالمفاوضات.

مقالات الرثاء من اليسار التي تنشر من حين لآخر في "هآرتس" تميل حسب رأيي إلى التقليل من الأهمية الكبيرة للعنصر الأمني في الاتفاق. رابين اختار مسار أوسلو بدرجة غير قليلة من الشك الشخصي، بسبب ترابط عدة أسباب. لقد أدرك، ربما متأخرًا، الضرر الأخلاقي الذي يسببه استمرار الاحتلال للجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي. "الجيش الإسرائيلي يجب أن يتوقف عن كونه جيش احتلال والعودة ليكون جيش الدفاع"، قال لمراسلين بعد سنة تقريبًا من توقيع الاتفاق الأول. شخّص رابين في الوقت نفسه نافذة فرص استراتيجية ـ بعد انخفاض التأثير الروسي في الشرق الأوسط، وقبل ازدياد قوة إيران ـ وأمل بقطف الثمار: نهاية الانتقاد الدولي "لإسرائيل" واحتمال التطبيع مع عدد من الدول العربية.

ولكن ما سوقه رابين للإسرائيليين، الذين في معظمهم أيدوا الاتفاق في السنوات الأولى، كان بالأساس وعد بهدوء طويل المدى. المقاتلون لن يحتاجوا إلى الركض ثانية وراء الأطفال الذين يرشقون الحجارة في قصبات المدن ومخيمات اللاجئين، والمواطنون سيتوقفون عن الخوف من حاملي السكاكين، تهديد الإرهاب الرئيسي في بداية التسعينيات. قتل الفتاة هيلانا راف في "بات يام" وصف كحدث أولي في الطريق إلى السقوط الذي تلقاه إسحق شامير أمام رابين في انتخابات 1992.

ثمار العملية بدأت في الظهور تدريجيًا وبصورة صغيرة، من فتح مكاتب لشركات أجنبية توقفت عن الخوف من المقاطعة العربية، ومرورًا باتفاق السلام مع الأردن وانتهاء ببدايات علاقات مع دول عربية أخرى. ولكن في الوقت نفسه، وفي ربيع 1994، اندلعت موجة عمليات ، بداية كرد على مذبحة الحرم الإبراهيمي. الاتهامات المزدوجة ـ اليسار يعيد مناطق من الوطن ويتخلى عن أمن المواطنين لعمليات حماس ـ مهدت الأرض لقتل رابين بعد سنة ونصف تقريبا.

من هنا فصاعدا لا يوجد زعيم إسرائيلي يثق بحلم أوسلو بدرجة تمكن من التقدم نحو اتفاق دائم. بنيامين نتنياهو انسحب من مناطق في الضفة تحت ضغط أمريكا، في اتفاق الخليل وفي اتفاق واي (الأمر الذي يحاول أن يتم نسيانه الآن)؛ انسحب اريئيل شارون بشكل أحادي الجانب من قطاع غزة ومن شمال السامرة. ولكن مسيرة أوسلو نفسها تجمدت.

حدث هذا بالأساس لأن معادلة بسيطة وواضحة، حسب عدد كبير من الإسرائيليين، كانت قد ترسخت: في كل مرة تنسحب فيها "إسرائيل" من منطقة صغيرة ستتحول إلى خشبة قفز مستقبلية لعمليات ضدها. إخلاء مدن الضفة في اتفاقات أوسلو في 1995 وقرار باراك بالانسحاب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان في أيار/مايو 2000 والانفصال عن قطاع غزة في 2005 ـ لم يجلب أي من هذه العمليات السلام والازدهار (رغم أنه يمكن بالتأكيد الادعاء أن العبء الأمني المرتبط بالبقاء في هذه المناطق كان من شأنه أن يكون أكبر). العمليات وعلى رأسها عشرات العمليات التفجيرية في الانتفاضة الثانية كانت هي الصدمة التي شكلت المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة. لقد حددت مرة تلو الأخرى مصير الحملات الانتخابية. ومثلما كتب هنا بعد انتخابات 2015، نتنياهو يفوز المرة تلو الأخرى في الانتخابات لأنه نجح في أن يثبت صورته كقائد أمني مسؤول، الذي لا ينجر إلى تنازلات خطيرة للعرب، ومن جهة أخرى أيضًا لا يركض نحو حروب زائدة (خلافًا لصورته في المجتمع الدولي).

لقد كان لفشل أوسلو بالطبع مساهمة إسرائيلية بارزة. إن شرك 22 عمل في هذه السنين ساعات إضافية، وعندما سارت الأمور بشكل جيد لم تسارع إسرائيل إلى التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين ("لا توجد تواريخ مقدسة"، قال رابين)، وعندما تجدد "الإرهاب" قالت إنها لن تخضع في أي يوم تحت التهديد، وطوال الوقت واصلت إسرائيل في استيطان الضفة والأحياء المقدسية شرق الخط الاخضر وشماله. أكثر من الـ 800 ألف إسرائيلي الذين يعيشون الآن خلف الخط الأخضر يصعّبون التوصل إلى اتفاق دائم، حتى لو كانت أغلبيتهم الحاسمة موجودة في الأحياء المقدسية وفي الكتل الاستيطانية.

قبل حوالي شهرين تحدثت مجلة "نيويوركر" عن القلق الذي أظهره زعماء إدارة أوباما عندما نظروا في 2015 إلى الخارطة التي تجسد إلى أي درجة نجحت المستوطنات والبؤر الاستيطانية في القضاء على خيط تواصل جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. كان هذا استيقاظًا متأخرًا جدًا. ضباط الإدارة المدنية شخصوا التوجه الكامن خلف مد "أصابع" المستوطنات في الضفة شرقًا قبل سنوات كثيرة من ذلك. دلائل على الخطة الكبير يمكن إيجادها في وثائق لواء الاستيطان حتى في التسعينيات. وكما سبق وحلل الوف بن، ("خطاب بار ايلان الحقيقي"، حزيران 2016) يمكن الافتراض أن الحلم الحقيقي لنتنياهو هو شن حرب استنزاف دبلوماسية وأمنية هدفها نهاية آمال الحركة الوطنية الفلسطينية.

الواقع الأمني في الضفة استقر في السنوات الأخيرة، بفضل التنسيق الأمني الوثيق بين "إسرائيل" وقيادة السلطة، التي ترى في عمليات حماس تهديدًا ملحًا أكثر على بقائها من استمرار الاحتلال. العلاقة بين "إسرائيل" وحماس في قطاع غزة مهلهلة أكثر: مرة كل بضع سنوات، وعندما يصبح الواقع المدني في القطاع غير محتمل أو عندما تخطئ حماس في تحليل مجال صبر إسرائيل، تندلع مواجهة عسكرية دموية لعدة أسابيع. ولكن في كل مرة يجري فيها الحديث عن مبادرة سلام جديدة ـ وآخرها "صفقة القرن" التي تعدها إدارة ترامب ـ تُعلم الخبراء والمحللين بأن المراهنة المضمونة هي الحفاظ على التشاؤم. زعماء الطرفين، رئيس الحكومة نتنياهو ورئيس السلطة محمود عباس، لا يؤمنان بالاتفاق الدائم، وبالتأكيد ليسا مستعدين لدفع ثمن التنازلات المطلوبة منهما من أجل التوصل إليه. عندما يحدث تغيير (إذا حدث) فمن المعقول أن المخطط الذي سيوضع على الأجندة ثانية سيكون مشابهًا للمخطط الذي وضعته إدارة كلينتون في أيامها الأخيرة في نهاية سنوات الألفين. ولكن حدوث ذلك ربما يسفك المزيد من الدماء في الشرق الأوسط.