تداعيات حشد القوات على حدود غزة ـ والسيناريوهات المتوقعة

السبت 06 أكتوبر 2018 - 10:39 صباحاً بتوقيت القدس

بقلم: عبيدة مدوخ "مختص في الشأن الإسرائيلي"

نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأيام الماضية مجموعة من الأخبار والتقارير والتي أوحت باقتراب حرب إسرائيلية جديدة ضد حماس في غزة، الأمر الذي أثار عاصفة من التساؤلات والمخاوف في أوساط الجمهور الفلسطيني وكذلك الجمهور الإسرائيلي.

وصلت ذروة هذه التقارير الإخبارية التي تشير إلى اقتراب الحرب، في الخبر الذي تداولته وسائل الإعلام الإسرائيلية ظهر يوم الخميس الماضي، والذي أفاد أن هيئة الأركان العامة بالجيش الإسرائيلي قد أوعزت بإرسال قوات تعزيز إلى فرقة غزة المناطقية، المسؤولة عن حماية الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة، وما أعقب هذا الخبر من تحليلات وتصريحات مثل المقال التحليلي الذي نشره المراسل العسكري في صحيفة يديعوت أحرنوت "رون بن يشاي" بعد ساعات من نشر خبر التعزيزات والذي أوضح فيه أن قرار زج القوات المقاتلة إلى الحدود مع قطاع غزة يأتي في إطار الاستعدادات الإسرائيلية للدخول في مواجهة عسكرية مع حماس، سيتخللها عملية برية خاطفة كانت قد تدربت على سيناريوهاتها القوات في وقت سابق.

وكذلك تصريح وزير الجيش أفيغدور ليبرمان الذي تطرق فيه إلى تعزيز القوات قائلاً "إن فترة الأعياد اليهودية مرت بسلام، في تلميح منه أن الجيش الإسرائيلي سيعود إلى قواعد اللعبة السابقة، والتي تتمثل بالضغط على حماس، من خلال زيادة حدة الرد العسكري ضد أهدافها في غزة، ردًا على مسيرات الحراك الشعبي والإرباك الليلي والبالونات الحارقة.

يشار إلى أن "إسرائيل" كانت قد عملت وفق خطة إعلامية منهجية خلال الأسبوعين الأخيرين لتأليب وتجييش الرأي العام، وذلك من خلال تسليط الضوء على المعاناة اليومية التي يعيشها سكان غلاف غزة بسبب البالونات الحارقة ومسيرات العودة بما في ذلك المخاطر الصحية التي يتعرض لها سكان الغلاف إزاء الغازات المتولدة من حرق الإطارات على السياج الحدودي مع قطاع غزة، كما سلطت التقارير الإخبارية خلال الفترة الماضية الضوء على استعدادات قوات الجيش الإسرائيلي على الحدود البرية والبحرية مع قطاع غزة.

في ظل هذه التقارير والتصريحات التي تتحدث عن الحرب، أعتقد أن الحشود والتعزيزات العسكرية التي زجها الجيش الإسرائيلي إلى فرقة غزة، تأتي في إطار الإجراءات الاحترازية والوقائية والدفاعية  وليس في إطار العمليات الهجومية، حيث أن قوات التعزيز التي أرسلها لا يتجاوز قوامها أكثر من لواء مقاتل أي ما يقارب 4000 جندي، في حين أن العمليات الهجومية البرية تتطلب حشدًا أكبر من ذلك بكثير، كما حصل في حرب 2014، حيث بلغ قوام قوات التعزيز التي أرسلها الجيش للمشاركة في العملية البرية في قطاع غزة إلى أكثر من فرقتين مقاتلتين أي ما يعادل 40 ألف جندي نظامي، ناهيك عن استنفار قوات كبيرة الاحتياط وصل عددها إلى أكثر من 80 ألف جندي.

أما على صعيد المستوى السياسي، فقد هدفت "إسرائيل" من البروباغندا الإعلامية التي أحدثتها حول خبر التعزيزات العسكرية بما في ذلك نشر بطاريات جديدة لمنظومة القبة الحديدية في محيط مستوطنات الغلاف، إلى إيصال رسالة إلى حماس مفادها بأن الخيار العسكري لا يزال قائمًا على الطاولة، وذلك في ظل إدراك القيادة الإسرائيلية بأن من أهم الأسباب التي تجعل حماس تتصلب في مواقفها، وخصوصا فيما يتعلق بقضية الأسرى واستمرارها في حرب الاستنزاف التي تديرها ضد قوات الجيش الإسرائيلي، يرجع إلى الاعتقاد السائد والقناعة الكاملة لدى قادة حماس بأن "إسرائيل" غير معنية بالحرب والعمل العسكري وأن الكرة باقية في ملعبها، حيث هدفت "إسرائيل" من ذلك إلى تضييق مساحة المناورة التي تلعب بها حماس ضد "إسرائيل" من خلال الحراك الشعبي.

 

*أما على صعيد المستوى الميداني التكتيكي، فأعتقد أن هناك عدة سيناريوهات متوقعة، وهي كالتالي:*

*السيناريو الأول*: ستشهد  الأيام والليالي المقبلة جولة تصعيد مدروسة ومحدودة سيتخللها استهداف مواقع عسكرية للمقاومة أو اغتيال لبعض القيادات الميدانية الصغيرة، وفي المقابل سترد المقاومة بإطلاق رشقات الصواريخ القصيرة المدى تجاه القواعد العسكرية القريبة ومستوطنات الغلاف،  إلا أن هذه الجولة سرعان ما ستنتهي وسيتم احتوائها في حال لم تخرج الأمور عن السيطرة وفي حال بقيت نيران الطرفين دقيقة ومدروسة، وكذلك بفعل التدخل الإقليمي والدولي لمنع تدحرج الوضع إلى حرب جديدة.

*السيناريو الثاني*: قد تتطور جولة التصعيد لسبب من الأسباب كسقوط قذيفة صاروخية على منزل في إحدى المستوطنات وقتلِ كل من فيه، وتحول الحدث إلى قضية رأي عام، الأمر الذي سيؤدي إلى اتساع رقعة المواجهة ليزيد الجيش الإسرائيلي حدة ضرباته الجوية وحشد المزيد من قواته، وتنفيذ بعض العمليات البرية الخاطفة التي تشرف القوات الخاصة على تنفيذها كالإغارات وعمليات الاستطلاع ضد أهداف تكتيكية قريبة من الحدود كمراصد ومرابض الصواريخ التابعة للمقاومة، في المقابل ستعمل المقاومة على توسيع مدى الصواريخ لتضرب مدن رئيسية في العمق القريب كأسدود وبئر السبع، بالإضافة إلى الاشتباك مع القوات الخاصة التي ستحاول التسلل لتنفيذ عمليات استطلاع وتخريب.

*السيناريو الثالث*: وهو مستبعد جدا، قد تتدهور الأمور أكثر فأكثر ليعلن الجيش الإسرائيلي عن عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، حيث يدور الحديث عن مرحلة كسر العظم بين المقاومة والجيش الإسرائيلي، سيبدع فيها الطرفان في استخدام كل ما أوتوا من قوة لتحقيق الانتصار والحسم في هذه المعركة التي لن يتمخض عنها سوى النصر أو الهزيمة، بمعنى أنه لن يتمخض عنها مزيج من النصر والهزيمة لكلا الطرفين كما حصل في حرب 2014، فـ"إسرائيل" لن تخوض حربًا جديدة في غزة بدون حسم، حتى وإن كلفها ذلك مئات القتلى وإن استمرت هذه المعركة لأشهر طويلة.

*السيناريو الرابع*: عدم الدخول في أي مستوى من مستويات التصعيد، وذلك في حال قررت حماس تخفيف وتيرة الحراك الشعبي على الحدود بما في ذلك النشاطات التي تقوم بها وحدة الإرباك الليلي وتقليص عدد البالونات الحارقة التي تطلقها يوميا تجاه الأراضي الإسرائيلية، حينها لن تضطر "إسرائيل" إلى الدخول في جولة تصعيدية حتى وإن كانت قصيرة ومحدودة، فالأفضلية لدى "إسرائيل" هو الهدوء وليس التصعيد.

 

*الخلاصة:*

*الكرة لا تزال في ملعب حماس، ومن مصلحة "إسرائيل" عدم التصعيد بكافة مستوياته وتهدئة الأوضاع، وأنها لن تعمل على توسيع رقعة المواجهة المقبلة إلا إذا ما اضطرت لذلك،  لما في هذا من تداعيات خطيرة جدًا على الجانب الغزي والإسرائيلي معًا.*