مقال: آخر سيوف إسرائيل.. ماذا لو انكسر؟

الخميس 06 ديسمبر 2018 - 08:32 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية- المختص في الشأن الإسرائيلي عزام أبو عدس

(من عاش بالسيف قُتل به)

هذه الحكمة البسيطة التي أجمعت عليها الثقافات البشرية بأسرها ونزلت في بعض الأديان القديمة ولخصت بكلمات بسيطة واضحة آلية سقوط القوى العسكرية على مر التاريخ، وجدتها في التلمود اليهودي في سفر القصاص حيث يقول كاتبها (من عاش بالسيف ذُبح بنصله).

هذا التحذير البسيط الواضح غاب عن امبراطوريات عبرت جسر التاريخ صوب الفناء فتجاهلته كل القوى العظمى التي قام وجودها على البغي الحربي المطلق، وعاشت بحد السيف لينتهي وجودها على يد سيوف اشد فتكا ومضاء وفي بعض الأحيان بسيوف أولائك الذين ظلمتهم وبغت عليهم.

واسرائيل لا تشذ عن سنة الله في خلقه، هذه الدولة التي بدأت دولة عسكرية قوية مقاتلة كرست عقيدة قتالية على أركان لم تكن قابلة للجدل، هذه العقيدة التي كفلت بقائها وانتصارها على قوى نظامية معادية في المنطقة بل وتوسعت على حساب هذه الدول.

والعقيدة العسكرية الاسرائيلية تقوم ببساطة على ثلاثة أركان أساسية تتفرع منها كل الخطط الاستراتيجية الكبرى والعملياتية اليومية، وهي الضربة الاستباقية الأولى لشل العدو، ونقل المعركة إلى أرضه والثانية الحفاظ على فجوة نوعية من التقدم التكنولوجي والاستخباراتي يصعب تجاوزها لتحقيق التفوق على الخصم، أما الركن الثالث الذي سنتناوله هنا هو قوة الردع، ويعني هذا المفهوم سلسلة من الخطوات الميدانية والعسكرية والاستعراضية التي يكون الهدف الأول منها إرهاب الخصم ومنعه من التفكير بأية عمل عسكري مضاد، وأن هذا العمل مهما كان حجمه فهو لن يؤدي الغرض منه أولاً، وثانياً ستنجم عنه خسارة تفوق أية مكسب على الأرض.

طالما قامت عقيدة الردع في اسرائيل على ثلاث عناوين أساسية شكلت عماد قوة ردع ضمنت لإسرائيل الكثير من المكاسب في الميدان العسكري والسياسي، فإسرائيل منذ بداياتها بنت قوة ردعها على الاستهداف الوحشي للمدنيين، والبنى التحتية وإحداث ضغط تدميري هائل بهدف إفقاد دوائر التخطيط والعمليات لدى الخصم أعصابها وجعل الخصم يبحث عن حلول سياسية سريعة تكون لها اليد العليا فيها.

ولإكمال هذه السياسة رسمت اسرائيل لنفسها صورة الدولة العنيفة التي لا تعبئ بالخطوط الحمر، تستطيع تنفيذ ما تريد متى تريد وحيثما تريد، وأن يدها طويلة وقوية وفتاكة لا تعرف الرحمة أو التردد.

قوة الردع هذه شكلت درعا لا يستهان به للسياسة الاسرائيلية منذ قيامها في عام 1948 وحصدت من خلالها نتائج ميدانية مبهره حتى العام 1986 حين بدأ هذا الميزان بالتآكل بوتيرة منتظمة منذ الانتفاضة الأولى وحتى تصاعد المواجهة في جنوب لبنان مع حزب الله ثم اندلاع انتفاضة الاقصى.

قوة الردع الإسرائيلية أصابها ضرر بالغ وتحطمت هيبة اسرائيل العسكرية لعدة أسباب أهمها أن فترات الصراع اصبحت طويلة ومتعاقبة، كما أن التغيير الذي طرأ على خصوم إسرائيل في المنطقة كان له دور ملحوظ في هذه العملية، فبدلا من أن تواجه إسرائيل قوات نظامية متخلفة لوجستيا وتحمل عقيدة قتالية فاسدة بالية أو تنظيمات علمانية براغماتية أصبحت تقاتل حركات اسلامية أيديولوجية ذات بنى تنظيمية وعقائدية صلبة تعمل على تطوير أدائها التنظيمي والعسكري باستمرار، ولا تؤمن بالتراجع أو الحلول البراغماتية السياسية التي أثبتت اسرائيل أنها تستغلها لفرض أمر واقع احتلالي على الارض .

والنقطة الأخرى التي أضعفت قوة الردع الاسرائيلية هو استخدام اسرائيل لذات الأساليب والوسائل والركون إليها مما ولد مناعة نسبة ضدها تطورت مع الوقت وغفلت عن الحاجة الملحة لتطوير أساليب جديدة وهذا ما عجزت عنه حتى اللحظة الراهنة.

علمنا التاريخ أن العمل العسكري يقوم على مبدأ بسيط من التحدي والاستجابة، فالقوى العسكرية تفرض تحديات جديدة على المستضعفين يعجزون عن التصدي لها حينا من الزمن، لكن مع الوقت يقوم هؤلاء بالاستجابة للتحديات وتطوير وسائلهم وقدراتهم حتى يستطيعوا التغلب عليها، وإذا فشلت اسرائيل في فرض تحديات جديدة على فصائل المقاومة وأحرار المنطقة فإن قوة الردع ستستمر بالتآكل وهذا ما لا يمكن لإسرائيل أن تسمح به بأية حال من الأحوال.

قوة الردع الإسرائيلية أصيبت بمقتل بعد عملية خانيونس الأخيرة، وأصبحت هناك قواعد جديدة للعبة مفادها أن اسرائيل ليست حرة في عملها الميداني، وأن هناك ميزان ردع مضاد نرى كفته تعلو شيئا فشيئا على الساحة العملياتية في المنطقة.

لتعديل هذا الميزان من وجهة نظر اسرائيل لابد لها الآن من حرب أخرى على قطاع غزة لكن هذه الحرب ستختلف عن سابقاتها اختلافا جوهريا، فإسرائيل ستدخلها تحت عنوان واضح هو استعادة قوة الردع وهذا يعني أن عليها الحصول على صورة انتصار حاسم لا تقبل الجدل أو التشكيك فهذا الانتصار يجب أن يكون واضحا مدويا يليق بعنوان استعادة الردع.

أما فصائل المقاومة ستخوض هذه الحرب تحت عنوان كسر الحصار وليس أقل من ذلك واكساب المقاومة الشرعية الدولية والسياسية من خلال فرض الامر الواقع على اسرائيل بصورة انتصار لا تقبل الجدل.

فهذه الحرب ستكون طويلة ووحشية وقاسية وكلا الطرفين يرفض فيها الحلول الوسط لأنه لامجال لذلك بل يجب الحصول على صورة انتصار واضحة، فإسرائيل الآن تجهز العدة والعلاقات لخوض غمار هذه الحرب، وتسعى لاكتساب الشرعية العربية من خلال التطبيع لرص الصف العربي في مواجهة المقاومة وتحت ذريعة التصدي لأتباع ايران في المنطقة، وتعد العدة عسكريا بمحاولة تلافي أخطاء التصعيد الأخير وتدريب قواتها على العمل في ظروف القطاع الصعبة، وهي بذلك تشحذ سيف الردع الأخير لتستعيد هيبتها وسمعتها لا سيما في ظل التهافت العربي على التطبيع معها، فهي تشحذ الآن سيفها الأخير بكل همة وشراسة وتريد خوض هذه الحرب والانتصار فيها لإعادة التوازن من وجهة نظرها لذلك تحتم عليها أن تحمل هذا السيف وتخوض به غمار هذه المعركة وأن تضرب به بكل قوة ..... لكن ماذا إذا انكسر السيف الأخير؟

x