دراسة:

التصعيد في الضفة إشارة لإسرائيل لتغيير استراتيجيتها وسياساتها

الأربعاء 19 ديسمبر 2018 - 09:57 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية – نائل عبد الهادي


بقلم: كوبي ميخائيل وأودي ديكل
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي


حتى لو أثمر الجهد العملياتي ونجح في القضاء على موجة العمليات الأخيرة بالضفة الغربية، إلا أن الأحداث الأخيرة بالضفة تشكل ضواءً أحمراً أمام إسرائيل لتغيير النهج القائم، المسمى "الوضع القائم" الذي يفتقر إلى أي فعل سياسي والذي يبدو أنه استنفد نفسه. المطلوب صياغة نهج جديد، يكون قادراً على تلبية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس فقط المصالح الفورية والآنية المتكررة لدى كل تصعيد.


شهد الأسبوع الأخير موجة جديدة من العمليات الأمنية بالضفة الغربية والقدس الشرقية، استخدم فيها المنفذون طرق عمل معروفة من الماضي مثل: إطلاق الرصاص من سيارة، اقتحام مستوطنة، طعن ودهس. زادت الأحداث الأخيرة عدد الإسرائيليين الذين سقطوا جرّاء هذه العمليات خلال السنة الأخيرة إلى 13 شخصاً.  عمليات إطلاق النار في محاور الطرقات، وخصوصاً من سيارات مسرعة، كانت الأكثر فاعلية من حيث إيقاع الإصابات، إضافة إلى توفيرها فرصاً كبيرة، نسبياً، لبقاء الخلايا التي تولت التنفيذ. عمليتا إطلاق النار، الأكثر خطورة في هذه الموجة، كانت منسوبة لاحد خلايا حركة حماس برام الله.


هاتان العمليتان عكستا سلم الأولويات الذي تعتمده حماس في الفترة الراهنة: تنفيذ عمليات في الضفة الغربية والمحافظة على الهدوء في قطاع غزة. فقد صرح يحيى السنوار، على خلفية التوصل إلى التفاهمات بشأن وقف إطلاق النار في القطاع في تشرين الثاني الفائت، بأن تلك التفاهمات لا تسري على الضفة الغربية، وبأن العمليات تؤكد هذه السياسة، كما تُبرز التحسن الذي طرأ على مهارات مقاتلي حماس وشجاعتهم.


إن نجاح حركة حماس في تنفيذ عمليات في منطقة رام الله، مركز ورمز الحكم التابع للسلطة الفلسطينية، بغية جر قوات الجيش الإسرائيلي إلى عمل عسكري بجوار مراكز الحكم هذه، يمثل هدفاً مهماً بالنسبة إلى حماس في إطار سعيها للسيطرة على الضفة الغربية.
وفعلاً، شمل الرد العسكري الإسرائيلي فرض الحصار على منطقة رام الله، واعتماد إجراءات هجومية شملت اقتحام مراكز المدن الفلسطينية، وخصوصاً رام الله، من خلال تصعيد الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين.


هذه الأحداث تعرض الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي المتمثل في إدارة الصراع على جبهتين مختلفتين على الساحة الفلسطينية، بغزة والضفة معا، للاختبار لأول مرة منذ العام 2005.
هذه الأحداث واحتمال التصعيد الكامن فيها تلقي بظلالها على حقيقية جدوى تقديس الهدوء الأمني، من دون أي تحرك سياسي، والاعتماد على الوضع القائم، والذي يجري خلاله توسيع المستوطنات وتهيئة الظروف والشروط القضائية لضم مناطق من الضفة الغربية، واغلاق أفق التقدم نحو تسوية سياسية تقوم على أساس دولتين لشعبين.  والفرضية القائلة بإمكان تكريس وتثبيت الفصل والتمييز بين الكيانين الفلسطينيين، في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، إلى جانب تقويم القدرة على تحييد تأثير حماس في الضفة الغربية، لم تصمد، ولم تنجح هي الأُخرى في امتحان أحداث الأسبوع الأخير.
إن الفكرة الاستراتيجية الموجهة للسياسة الإسرائيلية تقول إنه في الإمكان تحقيق الهدوء في الضفة الغربية بوساطة تحسين مستوى حياة السكان الفلسطينيين وتسهيل الحركة والتنقل في المنطقة، والاستقرار النسبي هناك فترة طويلة عزز هذه الفرضية.


بالمقابل، وفي أعقاب الجولة الأخيرة من العمليات، وجولة التصعيد الأخيرة مع حماس بغزة، لوحظ تآكل في قوة الردع الإسرائيلية، بعد أن ظهرت إسرائيل كأنها رضخت لابتزازات حماس وقبلت منح تسهيلات في المجال الإنساني وفي توفير مواد ومؤن حياتية في قطاع غزة، بما في ذلك بوساطة أموال قَطَرية، في مقابل تحقيق الهدوء الأمني.
لكن، خلافاً لسياسة الفصل والتمييز بين الضفة الغربية وقطاع غزة التي تعتمدها إسرائيل، لا يمكن الفصل أو إلغاء الروابط بينهما.
التسهيلات التي مُنحت لقطاع غزة جسدت، عملياً، القبول بسلطة حماس في المنطقة، من خلال التفاوض معها حتى وإن كان بشكل غير مباشر. وهذا في ظل وفي موازاة الطريق المسدود الذي وصلت إليه إسرائيل مع السلطة الفلسطينية على المستوى السياسي، وهو ما يزيد في ضعفها ويفتت مكانتها وشرعيتها الشعبية التي تتعرض لنقد واسع أصلاً.


من المهم التوقف عند ثلاثة سياقات إضافية أُخرى للأحداث الأخيرة:
الأول هو الصراع داخل السلطة الفلسطينية: وفي مركزه الصراع بين حركة فتح وحركة حماس على موقع الصدارة في قيادة المعسكر الفلسطيني. فرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يفرض عقوبات اقتصادية على قطاع غزة وعلى حماس هناك، بينما تمنع حماس بدورها المصالحة الفلسطينية الداخلية، بسبب رفضها التخلي عن بنيتها العسكرية وعن احتكارها القوة في القطاع، وتحاول في الوقت نفسه إضعاف حُكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، من خلال التصعيد الأمني.
الثاني: هو تدخُل كل من إيران وتركيا في مجريات الأمور وتطوراتها على الساحة الفلسطينية وتأثيرهما فيها.
الثالث: هو الحاجة إلى تفكير شامل بشأن مغزى وانعكاسات المواجهة المتزامنة في ثلاث جبهات: قطاع غزة، الضفة الغربية والجنوب اللبناني.


وقعت أحداث الأسبوع الأخير على خلفية عمليات إحباط متواصلة قام بها الشاباك والجيش الإسرائيلي، وبحسب ما قاله رئيس الشاباك جرى إحباط 480 عملية أمنية خلال سنة 2018، بما في ذلك ضد بنى تحتية عسكرية تابعة لحركة حماس بالضفة. هذا الجهد وحجم النجاحات التي تحققت من خلاله في إحباط العمليات هما دليل على احتمالات التصعيد الكامنة والقائمة كل الوقت، وكذلك على الدافعية العالية التي يتمتع بها منفذو تلك العمليات، وخصوصاً من حركة حماس.


الجمود المستمر في العملية السياسية، إلى جانب اليأس العميق بين السكان الفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية وخيبة الأمل بقيادتهم السياسية وأدائها، تظهر ترجمتها في الواقع بتطرف المزاج العام. بل انعكست هذه المشاعر أيضاً على عدد من استطلاعات الرأي التي أُجريت في الفترة الأخيرة بين الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية (أظهر استطلاع الرأي الذي أجراه معهد واشنطن، على سبيل المثال، أن 57% من سكان الضفة الغربية عبّروا عن تأييدهم منح حركة حماس إمكانية استئناف نشاطها العسكري هناك؛ وقال 25% إنهم يؤيدون استئناف الكفاح المسلح ضد إسرائيل، في مقابل 25% فقط أيدوا استئناف العملية السياسية؛ وعبّر 63% من سكان الضفة الغربية عن تحفظهم على التنسيق الأمني مع إسرائيل).


في الوضع الراهن، إسرائيل ملزمة بالتطرق إلى سلسلة من الأسئلة التي تشكل صلب الرؤية الاستراتيجية. إن السؤال الأول هو: هل يمكن التمييز والفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة؟ أحداث الأشهر الأخيرة تثبت أنه من غير الممكن إطلاق تحرك دولي واسع وجدي لترميم قطاع غزة وإعادة إعماره من دون مشاركة السلطة الفلسطينية.


وليس هذا فحسب، إنما أيضاً لا يمكن بلورة تفاهمات مع حماس، من دون الأخذ في الاعتبار نتائج ذلك على بمكانة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
السؤال المركزي الأهم في هذا السياق هو هل سترضى إسرائيل بتآكل قوتها الردعية أمام حركة حماس، بينما تجني الحركة ثمار الهدوء في القطاع وتبادر، في المقابل، إلى تنفيذ عمليات في الضفة الغربية؟، أمّا السؤال الثاني فهو ذو صلة بالهدف الاستراتيجي الإسرائيلي على الساحة الفلسطينية: هل يجب الاستمرار في تقديس الوضع القائم، ومن هو الشريك الفلسطيني المرغوب، السلطة الفلسطينية أم حماس؟


وإن لم يكن ثمة خيار آخر سوى التعامل مع كليهما في الآن ذاته، فكيف يجب أن يكون ذلك؟ في إطار التفاهمات التي تم التوصل إليها مع حماس في تشرين الثاني الفائت، لمّحت إسرائيل إلى أنها تفضل الاتفاق على الأمور مع الطرف الذي يستخدم القوة ضدها.
أمّا السؤال الثالث فيتصل بمدى متانة العلاقة بين الجبهة الفلسطينية وبين الجبهة الشمالية. بموجب تعريف حكومة إسرائيل، تشكل الجبهة الشمالية الجبهة الأساسية في نظر الأجهزة الأمنية، بينما تعتبر الجبهة الفلسطينية هي الجبهة الثانوية (ولذا تفرض إسرائيل على نفسها قيوداً في استخدام القوة على هذه الجبهة).


إن إيران وحزب الله، من جانبهما، يحفزان العناصر المتشددة على الساحة الفلسطينية، لتصعيد الأحداث ضد إسرائيل، استناداً إلى التقويم القائل إن زعزعة الاستقرار في هذه الحلبة سيجعل من الصعب على إسرائيل التحرك في الحلبة الشمالية. ولذا تساعد إيران في تعزيز البنية التحتية العسكرية لحماس، بالمال والخبرة.


في الختام نرى أن موجة العمليات تتغذى أيضاً من بنية تحتية نفسية متوفرة بين الجمهور الفلسطيني يجري تصميمها بوساطة التحريض المنهجي والمتواصل، وتتأثر بها. فعناصر حركة فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يتعاملون مع منفذي العمليات على أنهم أبطالاً وشهداء، يقاتلون من أجل الشعب الفلسطيني.
وكانت حركة فتح دعت الفلسطينيين إلى تصعيد المواجهات في أنحاء الضفة الغربية احتجاجاً على موت منفذي العملية الفلسطينيين الثلاثة، وإلى منع إسرائيل من الحصول على أي معلومات بوساطة آلات التصوير المنصوبة للرصد والرقابة وإلى عدم نشر أي معلومات في شبكات التواصل الاجتماعي. من المهم أن تجري إسرائيل حواراً مع السلطة الفلسطينية بشأن السبل الأفضل لخفض منسوب التحريض ووقفه، وعدم الاكتفاء بالرسائل الإعلامية والسياسية لإظهار الوجه الحقيقي للسلطة الفلسطينية.


توصيات لإسرائيل
من شأن الأجوبة عن الأسئلة التي طرحناها أعلاه أن تبيّن الحاجة إلى تغيير النهج القائم حالياً، والذي يبدو أنه قد استُنفد، ثم تبني نهج آخر أكثر تحديثاً، يكون قادراً على تلبية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس فقط المصالح الفورية الآنية لدى أي تصعيد.

على خلفية التطورات التي سُجلت خلال السنة الأخيرة، لم يعد في مقدور إسرائيل بعد الاعتماد على الوضع القائم، غير الثابت عملياً، وعلى الفكرة القائلة إن تحسين مستوى معيشة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وفتح المعابر أمام دخول البضائع والمواد الأساسية إلى قطاع غزة سيمكنانها من إدامة الهدوء الأمني ومن التنصل من اتخاذ القرارات المستوجبة في الشأن الفلسطيني، من دون تحديد أهداف سياسية واضحة ومن خلال الامتناع من إجراء مفاوضات.


هذا الفراغ السياسي يتيح لقادة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية أيضاً، ممارسة الضغط على الحكومة لتنفيذ خطوات عملية تُفهم كأنها تسريع لعملية الضم، تمس بنسيج الحياة المعقول لدى السكان الفلسطينيين في المنطقة وبجودة التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، علماً أن ليس ثمة من يشكك في مساهمة الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ضمان الاستقرار النسبي فترة زمنية طويلة، وهي المساهمة التي تأكدت نجاعتها خلال الأيام الأخيرة.


في المنظور الاستراتيجي، ليس من الصحيح التشبث بسياسة رد الفعل وتفضيلها على مبادرة لتصميم واقع أكثر استقراراً بالنسبة إلى إسرائيل.  كما من المهم أن ندرك أنه حتى مع غياب إعلان إسرائيلي رسمي بشأن تفضيل حل الدولة الواحدة، وحتى في غياب خطوات فعلية حقيقية لضم مناطق من الضفة الغربية، فإن الواقع الآخذ بالتبلور هو واقع الدولة الواحدة.


من أجل لجم هذا الانزلاق نحو هذا الواقع، نقترح خريطة طريق استراتيجية تقوم على أربعة أسس هي:
- الاحتفاظ بحرية العمل الأمني في المنطقة بأكملها، مع تقليص جدي لفرص واحتمالات الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين.
- مواصلة التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمساعدة في تحسين وتعزيز حكومة السلطة الفلسطينية.
- عرض أفق سياسي ـ الاستعداد للدخول في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية بشأن تسويات انتقالية.
- معالجة القضايا القابلة للحل في المرحلة الأولى وتطبيق فوري لأي تفاهمات وتوافقات يتم التوصل إليها؛ مساعدات من جانب إسرائيل تقدمها للجهود الدولية والإقليمية المبذولة من أجل ترميم قطاع غزة، شرط أن تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية هذه الجهود، فور استعادة سيطرتها على المنطقة.


إن مصلحة إسرائيل الاستراتيجية تكمن في خلق وضع تكون فيه السلطة الفلسطينية مستقرة وقوية، فاعلة وعنواناً مسؤولاً، وسيكون من الخطأ سماح إسرائيل لحركة حماس بتنفيذ العمليات في الضفة الغربية، من جهة، والاستمتاع بالهدوء وبإمكانيات التعاظم في قطاع غزة، من جهة أُخرى.

x