الأمم المتحدة والانقلاب على الذات

الجمعة 28 ديسمبر 2018 - 10:04 صباحاً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية- الكاتب والمحلل السياسي:   فرحان موسى علقم

لم يكن مشروع القرار الأمريكي حول إدانة حركة حماس في الأمم المتحدة أمرا عاديا، وليس من المقبول النظر إليه على أنه أمر انقضى وكأنه لم يكن، إنما يجب النظر إليه ضمن السياق الصحيح، ويجب وضعه ضمن الإطار الصحيح، وهو أنه يشكل نقطة انعطاف خطيرة في مسيرة الأمم المتحدة وهو يشكل انقلابا على الذات لهذه المؤسسة الأممية، لقد شهدت أروقة هذه المؤسسة أوسع مساحة من المناقشات وأكبر عدد من القرارات التي انسجمت مع ميثاق الأمم المتحدة، فاعترفت بالحق الفلسطيني ووثقت هذا الاعتراف من خلال أكبر عدد من القرارات التي اعترفت فيها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيه، وحقه في العودة إلى دياره في فلسطين، وإنهاء الاحتلال وغير ذلك من القرارات التي أقرت واعترفت بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني والتي ينتهكها الاحتلال ويصادرها صباح مساء على مسمع ومشهد من المجتمع الدولي.

لا يكاد يخلو قرار من قرارات الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان من الإشارة إلى قضية فلسطين، وإدانة الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيين على أيدي الاحتلال الإسرائيلي، ثم تأتي الولايات المتحدة الأمريكية وبجهود مندوبتهم الصهيونية المأزومة الحاقدة، وقبل انصرافها من منصبها، حيث حاولت أن تقدمه هدية نهاية خدمتها لإسرائيل ولنتنياهو، بتقديم مشروع القرار العنصري المتطرف لإدانة الشعب الفلسطيني ولإدانة الشعب الفلسطيني وإسقاط حقوقه من خلال إدانة مقاومته، وإسقاط حقه في المقاومة التي شرعتها الأمم المتحدة من خلال عديد القرارات التي نصت صراحة على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح.

وفي ذات الوقت تصرف النظر عن عدم مشروعية الاحتلال وعدم مشروعية انتهاكات الاحتلال للحق الفلسطيني هذه الانتهاكات التي طالت البشر والشجر والحجر، وتعدت ذلك من الجغرافيا إلى التاريخ بمحاولات الطمس والتغيير والتزييف والسرقة، للسيطرة على الذاكرة والوعي العالمي. فتضفي بذلك مشروعية على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وتنزع الشرعية عن الشعب الفلسطيني الذي يمارس حقوقه في الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال.

لقد قاد طرح هذا المشروع إلى قلب الحقائق والمفاهيم، في عملية انقلاب على الذات مفضوحة وظاهر عوارها، فالأمم المتحدة أدانت الاحتلال الإسرائيلي وأدانت جرائمه بغالبية أعضائها من الدول التي أدانت الاحتلال وأدانت جرائمه على الدوام، فلم تنطلي عليها الدعاية الصهيونية ولم يغرر بها التبني الأمريكي والأوروبي لدولة الاحتلال، فأصدرت ما أصدرته من قرارات تدعم الحق الفلسطيني وتدين الاحتلال وجرائمه، لكنها اليوم تتنكر لضميرها وتنقلب على ذاتها في حالة انفصام غير مسبوقة فتصوت سبعة وثمانون دولة لصالح هذا القرار الذي لم يكن من الممكن أن تصوت له في حال اليقظة والوعي والتصالح مع الذات.

وفي محاولة لإنعاش الذاكرة الأممية نستعرض بعضا مما سطرته قرارات الأمم المتحدة تمثيلا لا حصرا، والتي أكدت فيها على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وما يستحق له بعد ذلك في سبيل ممارسة هذا الحق:-

·        القرار رقم 2649 الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 30 تشرين الثاني / نوفمبر لعام 1970، حيث كان مما ورد في بنوده ما يلي:-

1-  البند الأول: "تؤكد شرعية الكفاح الذي تخوضه الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية الأجنبية والمعترف لها بحق تقرير المصير، في سبيل استرداد هذا الحق بجميع الوسائل التي تملكها".

2-  البند الثاني: "وتعترف للشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية في ممارستها المشروعة لحقها في تقرير المصير، بحق التماس جميع أنواع المساعدة الأدبية والمادية والحصول عليها، طبقا لقرارات الأمم المتحدة ولروح ميثاق الأمم المتحدة".

3-  تتوالى بنود هذا القرار في التأكيد على حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في تقرير مصيرها وعدم شرعية إنكار هذا الحق، وتؤكد على مخالفة ذلك لميثاق الأمم المتحدة، وفي البند الخامس يخلص القرار إلى "وتدين الحكومات التي تنكر حق تقرير المصير على الشعوب المعترف لها به، ولا سيما شعوب الجنوب الإفريقي وفلسطين".

 ونشير أيضا إلى قرار الأمم المتحدة رقم 3236 المتخذ في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 22 تشرين الثاني نوفمبر لعام 1974، الذي ورد فيه ما نصه "واعترافا منها بأن للشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وإذ تعرب عن بالغ قلقها لكون الشعب الفلسطيني قد منع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف، لا سيما حقه في تقرير مصيره .... الخ" وأكدت الأمم المتحدة في البند الخامس من هذا القرار على "تعترف كذلك في حق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه" والبند السادس نص على "وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية على أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقا للميثاق".

وفي الوثيقة التي حملت الرقم 33/24 تحت عنوان "أهمية الاعتراف الدولي بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ورد ما نصه: "التأكيد على شرعية الصراع الذي تخوضه الشعوب من أجل استقلالها ووحدة أراضيها ووحدتها الوطنية وتحررها من الاستعمار والاحتلال الأجنبي بكل الطرق والوسائل المتاحة بما فيها الكفاح المسلح".

وأما حديثا فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 70/140 الصادر في 17 كانون الأول / ديسمبر 2015، والذي أكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحث جميع الدول والوكالات المتخصصة، ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة على مواصلة دعم الشعب الفلسطيني، ومساعدته على نيل حقه في تقرير المصير في أقرب وقت".

إن استعراض هذه القرارات التي تؤكد في مجموعها على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وعلى الحق في السعي للوصول إلى هذا الحق  بكافة السبل والوسائل المنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة بما في ذلك الكفاح المسلح، وتدعو هذه القرارات جميع الدول والمؤسسات إلى توفير الدعم وتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني لتمكينه من الوصول إلى حقوقه وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، كل ذلك يقود إلى التساؤل حول هذا الانقلاب على الذات الذي وقعت فيه الأمم المتحدة من خلال طرح مثل هذا المشروع المخالف لميثاق ومبادئ وقرارات الأمم المتحدة. هذا الانقلاب الذي أوقعتها فيه الولايات المتحدة المنجرفة في انسياقها الأعمى للاحتلال الإسرائيلي. هذا الانقلاب على الذات الذي يعبر مسح للذاكرة وتغييب للوعي ووأد للضمير العالمي، لا يمكن تبريره عوضا عن قبوله، ويستوجب من كافة أحرار العالم ودوله أن تقف مع ذواتها وقفة نقد للذات ومراجعة للحسابات، لتستعيد وعيها وتسترجع ضميرها الذي سعت الولايات المتحدة لتغييبها ومصادرتها من أجل التستر على الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه.

إن ما جرى في أروقة الأمم المتحدة يدفعنا كشعب فلسطيني مقاوم، إلى العودة إلى الذات والوقوف أمام أنفسنا وقفة صدق وتأمل نعيد بعدها تقييم الأمر من كل جوانبه، وإعادة صياغة البرنامج الوطني على أساس وطني خالص بعيدا عن أي تجاذب أو انحياز لغير فلسطين، متحللين من حظ النفس الفردي أو الجماعي، وأن لا ننتصر إلا لفلسطين آخذين بالاعتبار جملة من المحددات لعل من أبرزها:-

1-  إن عدونا واحد وحقنا واحد، ولذلك يجب أن يكون موقفنا واحد وبرنامجنا موحد، يمثل الجميع ولا يمثل جهة واحدة تنفرد في صياغته، ولا يمكن الوصول لهذا الموقف ولا يمكن صياغة هذا البرنامج من قبل فرد أو فصيل أو طرف واحد فقط، فاليد الواحدة كما في المثل الشعبي لا تصفق، ولكنها يمكن أن تلطم، ونحن الآن في الحالة الفلسطينية العامة نعيش حالة اللطم.

2-  التحدث إلى العالم باللغة التي يفهمها العالم والتي يحب ويألف سماعها، باللغة التي لا يملك أمامها إلا أن يستمع ويلبي، والقصد هنا الحديث عن القضية الفلسطينية من خلال المواثيق والقرارات الدولية التي وثقت حقوق الشعب الفلسطيني وأكدت عليها، ويجب علينا المطالبة بتفعيل هذه الحقوق المعترف بها دوليا وأمميا، وحفظتها وأكدت عليها المواثيق والشرائع والقرارات الدولية. وما نحتاجه الآن هو مخاطبة العالم بلغة هذه القرارات لتطبيقها وإنفاذ ما جاء فيها ليصير واقعا على الأرض.

3-  تسليط الأضواء بشكل مستمر على أن إسرائيل دولة احتلال، تمارس كافة الجرائم المحرمة دوليا من تمييز عنصري، وتطهير عرقي وقتل وتشريد لشعبنا الفلسطيني، تلك الجرائم المستمرة منذ عقود ولم تتوقف. وعليه يجب أن يكون هذا الجهد متواصلا وليس موسميا فقط، لتظل بذلك قضية فلسطين تحتل مكانتها في الضمير الإنساني على الصعيد الشعبي والرسمي العالمي، لذلك فإن تغذية الذاكرة وإنعاشها بشكل مستمر يضمن ذلك.

4-  توجيه الرسائل والمذكرات وإقامة المهرجانات والفعاليات التي تذكر بالاحتلال وتعدد جرائمه، وتخلد ذكرى الضحايا الفلسطينيين، وتحميل العالم المسؤولية اتجاه ضحايا الشعب الفلسطيني على أيدي الاحتلال الإسرائيلي، لتظل قضية فلسطين وعذابات أهلها تقض مضاجع العالم وتظل تطرق على جدران الضمير العالمي حتى ينتصر لهذه الضحايا ويعيد الحقوق إلى أهلها ويعمل على إنهاء الاحتلال بدل القبول بإدانة الشعب الفلسطيني ومقاومته.

5-  الالتفات إلى ميادين المقاومة بكل أشكالها المسلحة والسلمية، والتي أثبت فيها شعبنا الفلسطيني قدرته ليس فقط على ممارستها، بل والإبداع فيها إبداعا مبهرا متميزا. فما زال هناك ميادين من المقاومة لا زلنا كشعب فلسطيني بحاجة إلى الولوج إليها والعمل فيها بإبداع مثل ميدان القانون الدولي والمحاكم الدولية، وتعريه الاحتلال من خلالها ومواجهته والانتصار عليه في مثل هذه الميادين، فقوة حقوقنا يجب أن يبنى عليها قوة في الأداء والذود عن هذه الحقوق وتحصيلها. وهناك أيضا ميدان الإعلام العالمي الذي ما زالت الكفة فيه راجحة لصالح الاحتلال الإسرائيلي، لذلك فشعبنا الفلسطيني مطالب باستغلال طاقاته لسبر أغوار هذه الميادين والإبداع فيها كما بدع في غيرها من الميادين.kأبدع في غيرها من الميادين.

لا يجوز الركون إلى سقوط هذا القرار، بل يجب العمل الجاد على أن لا يتكرر، خاصة في حالة الردة الشائعة الآن في أوساط أنظمة الحكم في العالم العربي.

 

x