الغاز الطبيعي في البحر المتوسط يهدّد بإشعال حرب لبنان الثالثة

الجمعة 04 يناير 2019 - 02:26 مساءً بتوقيت القدس

عكا للشؤون الإسرائيلية- عوديد عيران

قال ليبرمان في الندوة السنوية لمعهد بحوث الأمن القومي، في 31 كانون الثاني 2018، خلال تناوله مسائل الحدود بين إسرائيل ولبنان: إن حكومة لبنان نشرت عطاء لاستغلال الغاز الطبيعي في مياه البحر المتوسط وإن الكتلة 9، التي فازت فيها عدة شركات معروفة، تعود وفقاً لكل مقياس لإسرائيل. هذا خطأ جسيم وسلوك "استفزازي"، من جانب لبنان، كما ادعى ليبرمان. وأثارت أقواله رد فعل حماسياً من جانب زعيم "حزب الله"، حسن نصر الله، وأفادت وسائل الإعلام في إسرائيل وفي لبنان بأن المنظمة تهدد بالمس بطوافات التنقيب الإسرائيلية في البحر المتوسط.

ليست نزاعات الحدود المالية أمراً مميزاً للبنان ولإسرائيل، وفي بعض الحالات فإن قسماً كبيراً من هذه النزاعات تنبع من المنافسة على المقدرات الاقتصادية، سواء أكانت هذه مواقع الصيد أم حقول النفط والغاز. ويمنح ميثاق الأمم المتحدة بشأن القانون في البحر الدولة حقوقا اقتصادية حصرية في المساحة الممتدة حتى مسافة 200 ميل بحري عن شواطئها. وكانت إسرائيل بدأت التنقيبات في مياهها الاقتصادية قبل أكثر من 20 سنة، ومنذ 2003، يضخ الغاز الطبيعي من البحر إلى إسرائيل. والاختراق الأكبر في هذا المجال، ومعه أيضاً نشوب الخلاف، وقع في 2010. فمجمع الشركات بحث عن الغاز في حقل لافيتان، وإن كان أعلن في كانون الأول من تلك السنة فقط عن اكتشاف الغاز، وفي ذات الشهر وقعت إسرائيل وقبرص على ترسيم الحدود البحرية بينهما (إذ إن المسافة بين البلدين أقل من 400 ميل بحري) ولكن في صيف 2010 سارع لبنان وأودع في الأمم المتحدة وثائق حدد فيها حدوده البحرية بينه وبين إسرائيل.

في حزيران 2011، توجه لبنان مرة أخرى إلى الأمم المتحدة، معرباً عن معارضته الاتفاق بين إسرائيل وقبرص "الذي يخرق (على حد قول لبنان) حقوقه السيادية والاقتصادية ويمكنه أن يعرض السلام والأمن الدوليين للخطر، لا سيما إذا ما قررت إحدى هاتين الدولتين (وينبغي الافتراض أن المقصود إسرائيل وقبرص) أن تنفذ بشكل أحادي الجانب صلاحياتها السيادية في المنطقة، والتي يرى فيها لبنان جزءاً غير خاضع للخلاف من المنطقة الاقتصادية الحصرية له. فردت إسرائيل في 12 حزيران 2011 وأرفقت مخططات ترسيم الحدود البحرية بينها وبين لبنان. أما الفوارق بين الترسيم اللبناني والإسرائيلي فيخلق مساحة 850 كيلومتراً مربعاً موضع خلاف.

في أواخر 2011، بدأت إسرائيل تبحث عن السبل لحل النزاع الناشئ بوسائل دبلوماسية مع الاستعداد للوصول إلى حل وسط. وفي المشاورات بين الوزارات المختلفة تقرر أيضا عدم منح امتيازات جديدة على مقربة من المنطقة موضع الخلاف من أجل السماح لحل وسط. ورغم وجود قناة حوار بين إسرائيل ولبنان برعاية قوات الطوارئ الدولية تقرر عدم استخدامها وذلك لان تفويض القوة لا يتناول الحدود البحرية، وتفضل إسرائيل وساطة بغير رعاية الأمم المتحدة. والمصلحة الإسرائيلية في الوساطة أدت إلى عدة توجهات من أطراف ثالثة، وفي نهاية المطاف فضلت الوساطة الأمريكية.

فرد هوف، الذي عني بكثافة بالتطورات في سورية في إطار "الربيع العربي" بصفته نائب المبعوث الأمريكي للموضوع، أخذ على عاتقه في شباط 2012 مهمة الوساطة. وفي المحادثات معه عادت إسرائيل وأعربت عن رغبتها في حل الخلاف في محادثات مباشرة مع مندوبي حكومة لبنان وبحل وسط. في نيسان 2012 تقدم هوف في لقاءات منفصلة في لبنان، في ضوء الرفض اللبناني للقاء ثلاثي، باقتراح حل وسط لتقسيم المنطقة موضع الخلاف. في 2 أيار 2012 صادق وزير الخارجية في حينه، أفيغدور ليبرمان، على الاقتراح الأمريكي، رغم أنه منح لبنان قسما كبيرا من المنطقة. حتى الآن لم يصل جواب رسمي من لبنان، وإن كانوا حسب تقارير الدبلوماسيين الأمريكيين، الذين كانوا على اتصال مع الحكومة اللبنانية، بحثوا معها في إيداع موازٍ في الأمم المتحدة للاقتراح الأمريكي. ويمكن أن يفهم من ذلك انه مقبول من الحكومة اللبنانية.

بعد سنة من تقديم الاقتراح الأمريكي الأصلي نقل الوسط الأمريكي الجديد أفكارا لم يكن واضحا إذا كانت هي أفكاره أم أفكار الحكومة اللبنانية، والتي شوهت الاقتراح الأصلي. والخط الأساس لهذه الأفكار كان خلق منطقة فصل بين إسرائيل ولبنان خارج المنطقة التي يطالب بها لبنان. وفضلا عن كون الفكرة غير مقبولة تماما فإن من شأنها أن تنتج ضررا اقتصاديا جديا للدولتين؛ لأنها تمنعهما من التفتيش والاستغلال المتفق عليه للغاز في المنطقة موضع الخلاف. ويسمى هذا المجال (UNITIZATION).

رغم فشل مساعي الوساطة الأمريكية واصلت إسرائيل الامتناع عن فتح عطاءات لمنطقة النزاع. وبالمقابل نشرت وزارة الطاقة اللبنانية منذ آذار 2013 خريطة المنطقة البحرية – الاقتصادية وتقسيمها إلى "كتل"، وباللغة المهنية هذه مناطق تجرى فيها العطاءات. ويمكن أن نلاحظ من الخريطة أن الحكومة اللبنانية تجاهلت تماما موقف إسرائيل واقتراح الحل الوسط الأمريكي، وانه في الكتل الثلاثة 8، 9 و10، لا سيما في الكتلة الـ 9، يوجد تسلل واضح إلى المنطقة التي تطالب بها إسرائيل. بعد سنوات من التأخيرات في إقرار عملية العطاءات في لبنان، ولا سيما بسبب الأزمة الرئاسية والحكومية في هذه الدولة، استؤنف نشاط في موضوع العطاءات. في 2 شباط 2017 اشتكت إسرائيل من نية لبنان منح امتيازات ومن نيته الدفاع عن حقوقه، وأعربت عن "... الانفتاح للحوار والتعاون مع دول مجاورة ذات صلة بالخط الشمالي للمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الحصرية...". في أعقاب منشورات سلطة النقد اللبنانية، وفي 21 كانون الأول 2017 توجهت إسرائيل مرة أخرى إلى الأمين العام للأمم المتحدة بشكوى على منح الامتياز في الكتلة 9 للمجمع التجاري الذي يضم شركة "توتال" الفرنسية، "آني" الإيطالية، و"نوبتك" الروسية، دون موافقة إسرائيل، بخلاف تام مع موقفها ودعوتها للحوار والتعاون. كما أعلنت إسرائيل بانها لن تسمح باي نشاط اقتصادي غير متفق عليه وغير مسموح به، وأنها تأسف لتجاهل الحكومة اللبنانية دعوتها للحوار. وتذكر إسرائيل كل الأطراف الثالثة، أي إضافة إلى لبنان نفسه بان كل نشاط "... يخرق الحقوق السيادية أو ينطوي على مشاركتها في نشاط غير متفق عليه أو مقر في هذه المنطقة البحرية... سيعرضها لثمن (LIABILITY بالأصل) ذي مغزى". وأعلنت شركة "توتال" في 9 شباط بأنها هي وشركاؤها واعون للنزاع، وأن نشاطهم لن يكون على مسافة 25 كيلومترا من منطقة الخلاف.

في 26 كانون الثاني 2018، أجاب لبنان في رسالة خاصة به، وبعد رده رداً باتاً ادعاءات إسرائيل أعلن: "الجمهورية اللبنانية لن تتردد في استخدام حقها في الدفاع عن النفس إذا وقع هجوم مسلح ضد النشاطات الاقتصادية في منطقتها البحرية. وهي لن تتردد في اتخاذ كل الوسائل المناسبة ضد إسرائيل أو أصحاب الامتيازات فيها، بما في ذلك شركة إنيرجيان، إذا ما قرروا العمل في الكتلة 13 وفي "الون (Energean) حيث يوجد حقل "كريش" واستغلال المقدرات الطبيعية اللبنانية في أرض المياه اللبنانية من خلال التنقيب الموجه إليها". وكانت شركة إنيرجيان المسجلة في اليونان قد فازت بتنقيبات "كريش" و"تنين" في نهاية 2016 في أعقاب قرار محكمة العدل العليا بشأن تخفيف نسبة حيازة شركتي "ديلك" و "نوبل إنيرجي".

إضافة إلى التصعيد اللفظي توجه اللبنانيون إلى مؤسسات مختلفة في فرنسا، بمن فيهم قضائيون، انطلاقا من الرغبة في إدارة حملة جماهيرية - قضائية لإثبات موقفهم العادل في النزاع مع إسرائيل. وفي الماضي أيضاً كان اللبنانيون توجهوا إلى الرئيس الفرنسي السابق باقتراح أن تتوسط فرنسا بينهم وبين إسرائيل، ولكن شيئا لم يتم في هذا الشأن. وبالمقابل، فإن مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد سترفيلد، زار مؤخرا إسرائيل ولبنان لإعداد زيارة وزير الخارجية ريكس تلرسون وعلم أيضا انه طرح موضوع الغاز. ويأتي الجهد الأمريكي بسبب احتدام لغة التهديدات المنطقية، لا سيما من الجانب اللبناني، وكذا بسبب خطر التدهور إلى مواجهة عسكرية يدفع فيها المنتصر والمهزوم ثمنا باهظا.

في خلفية الاحتدام توجد عدة مسائل. أولها إحساس القوة لدى منظمة "حزب الله"، التي اتخذت دورا مهما في حماية نظام الأسد وانتعاشه بعد أن فقد مناطق واسعة لصالح القوات المختلفة التي وقفت ضده. ومع أن تدخل "حزب الله" جبا ثمنا باهظا في حياة الإنسان، إلا أن مكانته في لبنان لم تضعف. ومن المتوقع في الانتخابات أن تتعزز مكانته السياسية. وتعزيز مكانة إيران في المنطقة في أعقاب الاتفاق النووي الذي يعتبر إنجازا لها وإضافة إلى ذلك تثبيت مواقعها التدريجية في سورية لدرجة غدوها جهة مهمة في تصميم مستقبل هذه الدولة، يؤثر بالطبع أيضا على الشريك الصغير "حزب الله". في الرسالة اللبنانية، الشهر الماضي، يمكن أن نلاحظ نبرة التهديدات التي يتخذها منذ سنين أمين عام "حزب الله"، حسن نصر الله، في موضوع الغاز الطبيعي في البحر المتوسط – والتي لم ترافق حتى الآن الخطاب بين لبنان وإسرائيل. كما أن قرار إسرائيل تعزيز الجدار الحدودي بينها وبين لبنان، وفي مقاطع منه بناء حائط، تصطدم بلغة تهديدات من جانب الحكومة اللبنانية.

من الجهة الأخرى، فإن كبار جهات الأمن الإسرائيلي ممن تحدثوا في موضوع سورية ولبنان، بما في ذلك في ندوة معهد بحوث الأمن، أوضحوا بأنه في المعركة العسكرية التالية، إذا ما وقعت، فتوقع إسرائيل ثمنا باهظا على كل المحاولات للمس بالجبهة الداخلية، ولن توافق على معركة تستمر لأسابيع طويلة مثلما في صيف 2006.

إن تبادل التصريحات والحماسة اللفظية العنيفة للحكومة اللبنانية وتجاهلها محاولات إسرائيل حل الخلاف في موضوع الحدود البحرية تبرر تدخلاً خارجياً يمنع استمرار التدهور. فالأحداث الأمنية بين سورية وإسرائيل في 10 شباط وان كانت لا ترتبط بالموضوع إلا أنها ستثقل على إيجاد حل وسط. وبينما ستستقبل إسرائيل بالترحاب مساعي التهدئة الأمريكية، إلا أن رد الطرف اللبناني يصعب توقعه. فمنذ البداية اشتدت المنافسة السياسية بين القوى السياسية في لبنان، وألحقت أضرارا بالدولة، بما فيها الأضرار الاقتصادية. فلو استجابت الحكومة اللبنانية لمشروع الحل الوسط الأمريكي الذي عرض في 2012 لتلقى الاقتصاد اللبناني زخما مهما وكذا اقتصادات أخرى في المنطقة. يمكن للإدارة الأمريكية أن تقلص خطر الاشتعال إذا ما أعادت لبنان إلى مسار الحوار مع إسرائيل – حتى وإن لم يكن مباشراً – في الطريق إلى حل وسط نزيه يحسن للبنان أيضاً.

الكلمات المفتاحية
# اسرائيل # لبنان # الغاز
x